25 خطبة عرش ملكية بين 1999 - 2026.. مواقف ثابتة ومرجعية ناظمة ليبقى الأردن عزيزا مهابا
2026/11/02 | 17:10:10
عمان 2 تشرين الثاني (بترا) وليد الهباهبة وبركات الزيود- منذ الأول من تشرين الثاني عام 1999 ألقى جلالة الملك عبد الله الثاني 25 خطبة عرش افتتح بها الدورات العادية لمجلس الأمة، كان محورها وصلب اهتمامها الانسان الأردني وأمن الوطن واستقراره.
في خطاب العرش الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني، اليوم الاثنين، الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حضرت رسائل تتجاوز المناسبة الدستورية إلى جوهر المرحلة التي يمر بها الأردن، فبعد الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، استهل جلالته خطابه باستذكار الشهداء، مؤكداً أن الأردن عصي على المعتدي، وأن قوة الدولة تستند إلى تماسك شعبها ووعي أبنائها، وإلى مؤسساتها العسكرية والأمنية.
الخطاب لم يقف عند حدود المواجهة الأمنية أو استعادة التماسك الوطني، بل حمل رسائل سياسية وفكرية أوسع، اختصرها جلالته بعبارات حاسمة: "فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية واهم، ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة واهم، ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه أيضا واهم" وهي عبارات تضع الموقف الأردني من التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ضمن سياق أخلاقي وسياسي يقوم على الثبات على المبادئ ورفض فرض الوقائع بالقوة أو تحويل الزمن إلى أداة لمحو الحقوق.
وارتكزت الخطب الملكية جميعها على محاور أساسية شملت مناحي التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وترسيخ سيادة القانون وحماية واحترام حقوق الانسان، والتزام الأردن بالخيار الديمقراطي نهجا وطنيا ثابتا، ودعم القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية حماة الوطن، والوقوف الى جانب قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وكذلك إلى جانب الأشقاء ومد يد العون لهم ومساندتهم ودعم وحدة أراضيهم.. ونبذ كل أشكال العنف والتطرف ومكافحة الإرهاب.
- الخطب الملكية ... خارطة طريق للمستقبل ووثيقة تؤكد أن الأردن دولة مؤسسات وسيادة قانون: 25 خطبة ملكية تحدث بها جلالة الملك منذ الخطبة الأولى التي قال فيها إن العمل سيكون بإرادة قوية من أجل رفعة الأردن وازدهاره، والدفاع عن قضايا أمته ومستقبل أجيالها، وذلك وفاء للرسالة العظيمة، التي تحدرت من الآباء والأجداد، بعد أن قدموا في سبيلها التضحيات الجسام، ووفاء للأهداف النبيلة التي سعى الحسين العظيم رحمه ﷲ إلى ترسيخها.
ويؤكد جلالته في خطب العرش السامية على أن توفير الحياة الكريمة وتقديم الخدمات العامة للمواطن الأردني، في البادية والريف والمخيم والمدينة، مسؤولية وطنية وواجب مقدس، تسعى الحكومة للنهوض به وتواصل برامجها لتوسيعها وتحسينها واستدامتها في سائر المجالات.
وفي خطبة العرش يوم الأول من شهر كانون الأول عام 2003 ، قال جلالته أمام مجلس الامة -حيث كان مجلس النواب الأول المنتخب في عهد جلالته- إنه عقد العزم على التغيير والتطوير، وأخذ زمام المـبادرة دون تردد، مهما كانت الصعوبات حتى تظل جذور الأردن، راسخة وثابتة، في محيطه وفي العالم، فالأردن في رسالته الهاشمية، هو الأردن الرائد، الأردن المثل والقدوة.
وطالما خاطب جلالته الأردنيين جميعا بأن طموحاتهم كبيرة، وأن التحديات الداخلية والخارجية حول الأردن، كثيرة لا بد من التصدي لها بمنتهى الجدية والمسؤولية، فلا مجال للتأجيل أو الترحيل أو التراخي في التنفيذ.
وفي خطب العرش السامية رؤية لمستقبل الأردن عمادها التحديث بكافة أشكاله: السياسي والاقتصادي والاداري، وصولا الى تحسين مستوى معيشة المواطن وتوفير كل أسباب الحياة الكريمة لكل أسرة أردنية.
وبقيت القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية درع الوطن الحامي لأمنه واستقراره، تحتل مساحة ثابتة وأساسية في خطب العرش الملكية السامية.
- خطب العرش.. التصدي بكل عزم لكل من يحاول زعزعة الأمن والاستقرار: وعن التنظيمات التي تتبنى الفكر التكفيري والتطرف، وتبيح قتل الأبرياء يؤكد جلالته، أن واجب الأردن الديني والإنساني التصدي لها بكل حزم وقوة ولكل من يحاول زعزعة امن الأردن واستقراره، وبعد أن استهدف الإرهاب الآمنين الأردنيين وأزهقت أرواح الأبرياء في تفجيرات عمان، قال جلالة الملك عبدالله الثاني في خطبة العرش عام 2005، "إن الأردن اجتاز والحمد لله بنجاح باهر اختبارا صعبا لأمنه واستقراره، عندما امتدت يد الغدر والإرهاب، للعبث بأمن الأردن، وترويع أبنائه وضيوفه من المدنيين الأبرياء".
وأضاف لقد تصدى لها النشامى والنشميات، أبناء وبنات القوات المسلحة، والأمن العام والمخابرات العامة والدفاع المدني، وسائر أبناء الأسرة الأردنية الواحدة، في وقفة عز وصمود وانتماء، رفعت رأس الأردن عاليا، وجسدت كل معاني البطولة، والوحدة الوطنية والانتماء.
كما يتصدى الأردن لحرب المخدرات التي لا تقل خطورة عن الإرهاب، حيث تقوم القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، والأجهزة الأمنية بكل عزم واقتدار بمواجهة هذه الحرب، حماية للمجتمع الأردني والمجتمعات من حوله.
- خطب العرش: الأردن يقف مع قضايا الصف العربي.. فلسطين أولوية وأغاثة غزة واجب: ويؤكد جلالة الملك في خطاب العرش السامي على الثوابت الأردنية الدائمة حيث تبقى القضية الفلسطينية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية بموجب الوصاية الهاشمية أولوية، ويقف الأردن ضد حرب الإبادة التي شهدتها غزة وفي كل مرة يقول جلالته أن هذا واجب فلا يمكن أن نتخلى عن أهل غزة وفلسطين، كما يقف الأردن إلى جانب الأشقاء العرب في كل قضاياهم المصيرية ويدعو الى توحيد الصف العربي لمواجهة التحديات الإقليمية.
- في خطب العرش.. فخر واعتزاز بالمنجزات التي حققها الأردنيون: ويذكر جلالة الملك بكل فخر واعتزاز في خطب العرش السامية المنجزات التي حققها الأردنيون، ويؤكد أن الأردن مستمر في سعيه لتطوير نموذج إصلاحي على مستوى الإقليم نابع من الداخل، يرتكز الى خارطة طريق واضحة، عبر إنجاز محطات إصلاحية، وتعديل وتطوير التشريعات السياسية، وإرساء قواعد ديمقراطية للعمل السياسي.
ويلفت جلالته بخطب العرش إلى أن الأردن لم يبنه المتشائمون ولا المشككون، وإنما تقدم وتطور بجهود المؤمنين به من أبنائه وبناته، وبفضل هذه الجهود يمضي هذا الحمى نحو المستقبل بكل ثقة وعزيمة، ويبقى الأردن يكتب صفحات جديدة في البناء والتقدم، فالأوطان لا تبنى بالمخاوف والشكوك، والمستقبل لا مكان فيه للمحبطين واليائسين، وقدره أن يولد في قلب الأزمات، والتي لم تكن يوما استثناء في مسيرته، بل كانت رفيقته منذ البدايات، فكان لزاما أن يشق دربه بالإرادة، فأثبتت أجياله في كل منعطف وقوفها في وجه المصاعب، ونما الأردن رغما عنها، واشتد عوده، وتجاوزها واحدة تلو الأخرى، بفضل إيمان الأردنيين والأردنيات الصادق بربهم، ووطنهم، ووحدتهم، وهذا دليل تفرّدنا نحن الأردنيين، حملة العزيمة.
- الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية: وتركز خطب العرش السامية على ثوابت وطنية لا تتغير وهي تكريس مبدأ الفصل بين السلطات وتحقيق أعلى درجات التعاون والتكامل وفق الدستور، ومكافحة الفساد والقضاء على البيروقراطية والترهل، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، واعتماد الجدارة وتكافؤ الفرص وأن القضاء النزيه والمستقل هو الضامن لسيادة القانون والعدالة بين الجميع.
ويحدد جلالته في خطب العرش كيفية النهوض الاقتصادي وتحفيز الاستثمار ورفع مستويات النمو الاقتصادي ووضع حلول للبطالة والمديونية ومواجهة الأزمات العالمية المالية وأمن الطاقة والاكتفاء الذاتي من المخزون الغذائي وتحسين البيئة الاستثمارية وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب إنشاء المناطق الاقتصادية والتنموية الخاصة.
ويضع جلالة الملك في كل خطبة من خطب العرش تحسين مستوى الحياة في صُلب أولويات العمل من حيث رفع كفاءة القطاع الصحي والتعليم والنقل العام والخدمات الشاملة ومعالجة التحديات المائية عبر مشروعات استراتيجية وحماية البيئة وتطوير قطاعات الطاقة، والسياحة، والاتصالات.
وتؤكد خطب العرش على صون الحريات العامة وحماية الحرية الصحفية المسؤولة حيث يرى جلالته ان الإعلام المهني والمستقل هو العين الكاشفة للحقيقة وركيزة للبناء الديمقراطي، وكما تركز أيضا على رعاية الحركة الثقافية وتوفير المراكز والمؤسسات التي تدعم الإبداع والمبدعين، ودمج الشباب والمرأة في الحياة العامة والسياسية، وترسيخ ثقافة العمل التطوعي والمهني والحزبي لدى الشباب، وسن التشريعات والبرامج التي تصون حقوق المرأة وتعزز مشاركتها في عملية صنع القرار.
- خطاب العرش 2026.. ثبات الثوابت وتحول الأولويات نحو أثرها في حياة المواطن: حمل خطاب جلالته في العام 2026 دلالته من تأكيده على أن اختلاف الأردنيين في الرأي مصدر قوة، ما دام هدفهم مصلحة الوطن، ومن إبرازه الأمن المائي بوصفه أولوية وطنية لا تقبل المساومة، إلى جانب دعوته إلى تسريع المشاريع الكبرى، وتحسين الخدمات، وربط التنمية بما يلمسه المواطن في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
ويعتبر خطاب جلالته الـ25 حلقة جديدة في تطور متدرج انتقل من تحديد مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، إلى متابعة تنفيذها وقياس أثرها، ففي خطابات السنوات الأولى لمجلس الأمة التاسع عشر، برزت عملية التحديث بوصفها مشروعاً وطنياً شاملاً، يستهدف تطوير الحياة السياسية وتعزيز المشاركة الحزبية والبرلمانية، وتحديث الإدارة العامة والاقتصاد، مع التأكيد على دور المؤسسات الدستورية في إنجاز هذه المسارات.
وفي مراحل التحديث، اتجهت الخطابات الملكية وخطاب 2026 إلى التركيز بصورة أكبر على الانتقال من وضع الرؤى والخطط إلى التنفيذ، وعلى مسؤولية المؤسسات في ترجمة التوجهات إلى نتائج ملموسة، وفي خطابات مجلس الأمة العشرين، أصبح أثر السياسات في حياة المواطن أكثر حضوراً، من خلال التركيز على فرص العمل، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمار، وتطوير التعليم والصحة، ورفع كفاءة الإدارة العامة، ومساءلة المسؤولين عن مستوى الإنجاز.
ولا يقدم خطاب عام 2026 قطيعة مع الخطابات السابقة، بل يواصل مسارها ويضيف إليه أولويات فرضتها تطورات المرحلة، فالثوابت الوطنية والسياسية بقيت حاضرة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس والوصاية الهاشمية على مقدساتها، وحماية أمن الأردن واستقراره، والتمسك بالعروبة وحقوق الشعوب، غير أن الخطاب الأخير منح هذه الثوابت تعبيراً أكثر مباشرة في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع، حين ربط بين رفض الطغيان وصون الحقيقة والتمسك بالمبادئ، في رسالة تتجاوز الظرف الآني إلى تأكيد موقف أردني راسخ.
وحمل الخطاب تأكيداً واضحاً على أن قوة الأردن لا تعني غياب الاختلاف، بل القدرة على إدارته ضمن إطار المصلحة الوطنية. فقوله إن "اختلافكم في الرأي قوة" يضع مسؤولية إضافية أمام مجلس الأمة، ويعيد التذكير بأن التعددية ليست عائقاً أمام العمل الوطني، بل رصيداً له، شريطة أن تبقى المنافسة السياسية والحوار تحت سقف الدستور ومصلحة الدولة، وهي رسالة تتصل مباشرة بمرحلة التحديث السياسي والحزبي، وبالحاجة إلى برلمان يعكس تنوع الآراء، ويترجم ذلك إلى تشريعات ورقابة وسلوك مسؤول.
- خطاب العام 2026 .. المياه والأمة مصدر السلطات ورسائل واضحة للمؤسسات والمجتمع: ومن أبرز ما يميز خطاب هذا العام إبرازه الأمن المائي بوضوح واستقلالية لافتة، من خلال تكرار عبارة "المياه، المياه، المياه"، والتأكيد أن هذا الملف لا يحتمل المساومة أو المهادنة، فالمياه لم تعد مجرد قضية خدمية أو قطاعية، بل أصبحت جزءاً من الأمن الوطني والتنمية المستدامة، بما يرتبط بها من حماية الموارد، وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية، ووضع خطط استباقية تضمن حقوق الأجيال القادمة، وهذا التركيز يعكس إدراكاً متزايداً لحجم التحدي المائي، وضرورة التعامل معه باعتباره أولوية مستمرة لا استجابة ظرفية.
وفي الجانب المؤسسي، جدد جلالة الملك التأكيد على دور مجلس الأمة باعتباره ركناً أساسياً في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات، مع وضع معيار واضح للحكم على أداء المجلس، يتمثل في نوعية القوانين التي يصدرها، ومستوى خطابه وسلوكه، كما أعاد التأكيد على سيادة القانون ومساءلة كل من يسيء استخدام موقعه، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وخدمة للناس، لا امتيازاً أو حصانة من المساءلة.
أما من حيث الشكل، فقد حافظت خطابات العرش على بنيتها الدستورية ومخاطبتها لمجلس الأمة، لكنها شهدت تطوراً في لغتها وأسلوبها؛ إذ انتقلت تدريجياً من عرض التوجهات العامة والأولويات إلى لغة أكثر مباشرة وتحفيزاً، تتضمن عبارات مكثفة ورسائل واضحة للمؤسسات والمجتمع، كما اتسع نطاق المخاطبين بالخطاب، فلم يعد موجهاً إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية فحسب، بل أصبح يتوجه إلى المواطنين، ويستحضر دورهم في حماية الدولة وإنجاح مساراتها.
ويظهر خطاب 2026 هذا التطور بوضوح، فقد جمع بين البعد الوجداني في استذكار ضحايا الاعتداء الإرهابي، والبعد السياسي في تأكيد الثبات على المبادئ، والبعد الوطني في الدعوة إلى التماسك وإدارة الاختلاف، والبعد التنموي في إبراز المياه والمشاريع الكبرى وجودة حياة المواطنين، وهذا التنوع منح الخطاب قدرة على مخاطبة أكثر من مستوى، من وجدان الأردنيين إلى مسؤوليات المؤسسات وأولويات الدولة.
في المحصلة، تكشف خطابات العرش خلال السنوات الأخيرة عن مسار يجمع بين ثبات المرجعيات الوطنية والسياسية وتغير الأولويات وفق متطلبات المرحلة؛ فمن إطلاق مشروع التحديث، إلى متابعة تنفيذه، وصولاً إلى التشديد على أثره في حياة المواطن، مع بروز تحديات الأمن المائي والتماسك الوطني ومواجهة محاولات فرض الأمر الواقع.
والرسالة الأبرز في خطاب هذا العام أن قوة الأردن لا تقوم على غياب التحديات أو تطابق الآراء، بل على ثباته أمام الطغيان، وتمسكه بالحقيقة والمبادئ، وقدرته على تحويل اختلاف أبنائه إلى مصدر قوة، وعلى حماية أمنه وموارده ومستقبل أجياله.
--(بترا) و ه/ب ص/ ر ق