الأمير غازي يؤكد ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والإجماع ..اضافة 2
وقَدْ سَمِعْتُ أحَدَ العُلَمَاءِ يَقُولُ: "إنَّه لا مُشْكِلَةَ إذا بَقِيَ سَقْفُ الدِّيمقراطيَّةِ الإسْلامُ"، ولَكنْ مَاذَا عَنْ الحُقُوقِ التي يَمْنَحُهَا الإسْلامُ والمَرْفُوضَةُ في الدِّيمقراطيَّةِ – على سَبِيلِ المِثَالِ – تَعَدُّدُ الزَّوجَاتِ أوِ سَفَرُ المُسْلِمينَ الحُرُّ في أرْضِ اللهِ الوَاسِعَةِ ؟ وعلى أيَّةِ حَالٍ فَإنَّ حُقُوقَ النَّاسِ في الإسْلامِ هِبَةٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وتَعَالى لا يَحِقُّ لأيِّ انْتِخَابَاتٍ أوْ أيِّ قَاضٍ أو أيِّ مَحْكَمَةٍ أوْ أيِّ تَشْريعٍ أوْ أيِّ دَولةٍ أوْ أيِّ دُسْتورٍ أنْ يُنْقِصَ مِنْهُ، يقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى: " يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". (التحريم،66 :1)
وهُنَا نَأتي إلى المَوْضُوعِ الكَبِيرِ الذي أعْتَقِدُ أنَّهُ لَوْ تَمَّ حَلُّ عُقْدَتِهِ كانَ يُمْكِنُ لنا كَأُمَّةٍ أنْ نَتَجَنَّبَ نِصْفَ مَشاكِلَ آخِرِ ثَلاثِ سَنَواتٍ، وهُوَ مَوْضُوعُ الأكْثَريَّةِ والإجْمَاعِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما. فَإنَّ اللهَ سُبْحانهُ وتَعَالى في القُرْآنِ الكَرِيمِ - وكَذَلِكَ في السُّنَّةِ النَّبويَّةِ الشَّرِيفَةِ - نَصَّ على أنَّ أكْثَرِيَّةِ النَّاسِ (والدِّيمقراطيَّةُ مَبْنِيَّةٌ على أَكْثَريَّةِ النَّاسِ وَلَيْسَ المُسْلِمِينَ) لَيْسَتْ مَبْدَأً يُؤَدِّي إلى التَّشْرِيعِ أو يَدُلُّ على الحَقِّ،وإذَا تَأمَّلْنَا في القُرْآنِ الكَرِيمِ فَإنَّنا نَجِدُ أنَّه كُلَّمَا وَرَدتْ كَلِمةُ "أَكْثَرَ" أوْ "أكْثَرَ النَّاس" يَلِيهِمَا أَمْرٌ سَيِّئٌ. يقولُ اللهُ تعالى:
" ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" (يوسف،12 :103)
"ولكن أكثر الناس لا يشكرون" (البقرة،2 :243)
"ولكن أكثرهم لا يعلمون" (الأنعام،6 :37)
"ولكن أكثرهم يجهلون" (الأنعام،6 :111)
"ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" (هود،11 ،17)
"ولكن أكثركم للحق كارهون" (الزخرف،43 :78)
"كان أكثرهم مشركين" (الروم،30 :42)
وكَذَلِكَ آياتٌ أُخْرَى عِدَّةٌ.
وإضَافَةً إلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَإنَّ اللهَ تَعَالى أَوْضَحَ هَذَا الأمْرَ بِقَولِهِ سُبْحانَهُ:"وإن تطع من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون" (الأنعام،6 :116)
وأيْضَاً بِقَولِهِ تعالى:"ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ..." (المؤمنون،23 :71).
وكَذَلِكَ لا نَجِدُ في السُّنةِ الشَّرِيفَةِ أنَّ الرَّسُولَ اسْتَشَارَ أغْلَبِيَّةَ المُسْلِمِينَ بِشَكْلٍ عَامٍّ وأَخَذَ بِرَأيِهِم، لَكِنْ مَرَّةً واحِدَةً اسْتَشَارَ رَسُولُ اللهِ المُقَاتِلِينَ وأبْدَى أغْلَبيَّتُهُمْ رَأيَاً مُخْطِئاً في الخُرُوجِ إلى أُحُد، ثُمَّ غَيَّروا رَأيَهُمْ بَعْدَمَا لَبِسَ الرَّسُولُ لِبَاسَ الحَرْبِ، ومَا أخَذَ بِرَأيِهِمْ مَرَّةً ثَانِيَة، ورَأيُهُمْ هَذَا أدَّى إلى خَسَارَةِ المَعْرَكَةِ، "وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور"(آل عمران،3 :154).
وَلِهَذا، فَخِلالُ أوَّلِ 1300 سَنَةٍ مِنَ التَّارِيخِ الإسْلامِيِّ لم يُوجَدْ أحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ فِيمَا نَعْلَمُ اقْتَرحَ مَوْضُوعَ الأكْثَريَّةِ السِّياسِيَّةِ كَمِعْيَارٍ لِلحُكْمِ بِمَحَلِّ الإجْمَاعِ.
وأمَّا في أُمُورِ الحُكْمِ، فَالرَّسُولُ كانَ يَسْمَعُ رَأْيَ كِبَارِ الصَّحَابة، ولم يَكُنْ بِطَبِيعَةِ الحَالِ مُلزَمٌ بِرَأيهِمْ، فَكَانَتِ الشُّورَى مُعْلِمَةً غَيْرَ مُلْزِمَةٍ، يقولُ اللهُ تعالى:
"وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " (آل عمران،3 :159) ، أيْ: فَإذَا عَزَمْتَ أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَلمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ وتَعَالى "فإذَا عَزَمْتُمْ".
فَهَذَا تطبيقٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى:"وأمرهم شورى بينهم"(الشورى،42 :38)، مِثْلَ أَمْرِ قَادَةِ جَيْشِ بَلْقيسَ حِيْنَمَا قَالُوا (كَمَا جَاءَ في القُرْآنِ الكَريمِ):"نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين" (النمل،27 :33). فَكَانَ أمْرُ المُسْلِمينَ بِالشُّورَى دَائِمَاً، لكنْ بِالإجْمَاعِ وَلَيسَ بِأغْلَبِيَّةِ (51%). وقَدْ فَصَّلَ رَسُولُ اللهِ هَذَا المَوضُوعَ في قَولِهِ: ((لا يَجْمَعُ اللهُ أمَّتي على الضَّلالةِ أبَدَاً، واتَّبِعوا السَّوادَ الأعْظَم، فإنَّه مَنْ شَذَّ شَذَّ في النَّارِ )) .
وَالإجْمَاعُ هُوَ قَاعِدَةُ الرُّكْنَيْنِ الأسَاسِيَّيْنِ لأيِّ نِظَامٍ شَرْعيِّ في الإسْلامِ، وَهُمَا: البَيْعَةُ والشّورَى،وحَتَّى في الغَرْبِ في الأنْظِمَةِ الدِّيمقراطيَّةِ فَإنَّ الدَّوْلَةَ تُقَامُ وتَنْشَأُ بالإجْمَاعِ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ الحُكُومَاتُ والحُكْمُ بالأغْلَبِيَّة، وهَذِهِ النُّقْطَةُ مُهِمَّةٌ يَجِبُ اسْتِيعابُهَا، فإنْ كَانَ مَعْنى "الدِّيمقراطِيَّةِ" لُغَوِيَّاً (في اليوناني القديم) "حُكْمُ الكَثْرَةِ"(demo-cratia) فَالبَحْثُ عَنِ الإجْمَاعِ الأسَاسِيِّ يُسَمَّى في الغَربِ "ثَقَافَةُ الدِّيمقراطِيَّةِ"(democratic culture). فَلا يُوجَدُ دَوْلَةٌ غَرْبِيَّةٌ دِيمقراطِيَّةٌ فيها أكْثَرُ مِنْ 10% مِنَ النَّاسِ غَيرُ رَاضِينَ عَنْ نِظَامِهِمُ الدِّيمقراطيِّ، فَبِمَعْنَى آخَرَ هُنَاكَ إجْمَاعٌ على الدِّيمقراطِيَّةِ بِأكْثَرَ مِنْ 90% ، فَالرَّأيُ الشَّاذُّ بَسِيطٌ. لَكِنْ في الدُّوَلِ العَرَبِيةِ – وهَذَا أمْرٌ عَجِيبٌ، اسْتَغْرَبْتُ مِنْهُ مُنْذُ وَضْعِ الدُّسْتُورِ العِرَاقيِّ الجَدِيدِ - فَإنَّ الدَّسَاتيرَ تُوضَعُ بِأغْلَبِيَّةٍ وأحْيَانَاً لَيْسَتْ بِأغْلَبِيَّةِ الشَّعْبِ، بَلْ بِأغْلَبيةِ المُصَوِّتِينَ في يَوْمٍ مَا، فَهَذَا الوَضْعُ أدَّى إلى أنْ تَشْعُرَ أجْزَاءٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الشُّعوبِ بأنَّهُ لا دَوْرَ لها، ولا رَأيَ لها، ولا حُصَّةَ لها في دَوْلَتِهِم، وبِالتَّالِي فَهُمْ غَيْرُ مُلزَمِينَ في حُقُوقِ وَوَاجِبَاتِ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ ثَمَّ إلى الخُرُوجِ وإلى الفِتْنَةِ.
يتبع ............يتبع
--(بترا)
م خ / ب ص / حج
19/8/2013 - 04:17 م