الأمير غازي يؤكد ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والاجماع ..اضافة 4
وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى بَعْضَ رُسُلِهِ مُلُوكَاً مِثْلَ: سَيِّدِنَا دَوادَ وسَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِمَا السَّلامُ؛ وجَعَلَ المَلَكِيَّةَ كَجَوَابٍ لِدُعاءِ نَبيِّهِ (سَاموالُ) حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى: "ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ..." (البقرة،2 :246)
وأنَّهُ جَعَلَ النَّبيَّ يُوسُفَ يَعْمَلُ بأمْرٍ مِنْ مَلِكٍ. وقَدْ ذُكِرَ لَفْظُ "المَلِكِ" في القُرْانِ الكَرِيمِ في غَيرِ مَعْرِضِ الذَّمِّ، بَيْنَمَا ذُكِرَ اسْمُ المُلُوكِ الفَجَرةِ في مِصْرَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بِلَفْظِ "فِرْعَونُ"؛ وَقَدْ ثَبَّتَ الرَّسُولُ مُلْكَ جَمِيعَ المُلُوكِ الذِينَ أسْلَمُوا؛ وبَعَثَ المُسْلِمِينَ إلى مَا سَمَّاهُ "مَلِكَاً صَالِحَاً" في الحَبَشَةِ ؛ وأنَّهُ بَشَّرَ قُرَيْشَاً بالمُلْكِ إلى يَومِ الدِّيْنِ ؛ وأنَّ الخُلَفاءَ الرَّاشِدِينَ جَمِيْعَهُمْ كَانُوا أقْرِبَاؤُهُ وأنْسِباؤُهُ مِنْ قُرَيشٍ لِكَونِهِ لم يِكُنْ لَدَيْهِ أبْنَاءٌ أوْ إخْوَةٌ أوْ أوْلادُ إخْوَةٍ؛ وَكَانَتْ الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ عَبْرَ التَّارِيخِ الإسْلاميِّ كُلِّهِ - إلى سُقُوطِ الخِلافَةِ الإسْلاميَّةِ العُثْمانيَّةِ في عَامِ 1922م - أنْظِمَةً مَلَكِيَّة، وكَثِيرٌ مِنْ أبْطَالِ الإسْلامِ كَانُوا مُلُوكَاً وأُمَرَاءَ مِثْلَ: عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ، ونُورُ الدِّينِ زِنْكِي، وصَلاحُ الدِّينِ الأيُّوبِيُّ، والظَّاهِرُ بيْبَرْس، وحَتَّى الأمِيرِ عَبْدِ القَادِرِ الجَزَائِريِّ، وَهَلُمَّ جَرّا.
لكِنَّ السُّؤالَ الذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ: مَا هِيَ وَاجِبَاتُ وَصَلاحِيَّاتُ المَلِكِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ؟ نَجِدُ أنَّ الوَاجِبَاتِ والصَّلاحِيَّاتِ الأسَاسِيَّةِ لِلمَلِكِ في القُرانِ الكَرِيمِ هيَ: قِيَادَةُ الجُيُوشِ وَوَحْدَةُ النَّاس، يقولُ اللهُ تعالى:""ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ..." (البقرة،2 :246) . وَكَذَلِكَ وَاجِبُ المَلِكِ حِمَايَةُ شَعَائِرِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعَالى. قالَ اللهُ تعالى: "وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت في سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين" (البقرة،2 :148). فَهَلْ نَعْتَبِرُ صَلاحِيَّاتِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ - فِيمَا يُسَمَّى السِّيَاسَةُ الخَارِجِيَّةُ في سُورَةِ النَّمْلِ- مِنْ نُبُوَّتِهِ أمْ مِنْ مُلْكِهِ؟ وهَلْ نَعتبرُ قِيَامَ سَيِّدِنَا دَاودَ عَلَى العَدْلِ في سُورَةِ "ص" مِنَ النُّبُوَّةِ أمْ مِنَ المُلْكِ؟ وسُؤَالٌ مُهِمٌ في يَوْمِنَا هَذَا: هَلْ نَعْتَبِرُ نِيَابَةَ سَيِّدِنَا يُوسَفَ لِمَلِكِ مِصْرَ بِصَلاحِيَّاتِهِ نَمُوذَجَاً لِمَا يُسَمَّى اليَومَ "الحُكْمُ المَلَكِيُّ الدُّسْتوري"؟ فَسُبْحانَ الذي قالَ: "وكل شيء فصلناه تفصيلا"(الإسراء،17 :12).
أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِقَولِ اللهِ تَعَالى: " قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة وكذلك يفعلون" (النمل،27 :34)، فَهَذِهِ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ ولَيْسَتْ ذَمَّاً، بِدَلِيلِ أنَّ القَائِلَةَ (وهِيَ بَلْقِيسُ) مَلِكَةٌ، وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالى عَنْ سيَّدِنَا سُلَيْمَانَ (وهوَ المَلِكُ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيةِ): "نعم العبد" (ص،38 :30)، واللهُ أعْلَم.
4. الرَّأسْمَالِيَّةُ والاسْتِهْلاكِيَّةُ: المَسْالَةُ الرَّابِعَةُ وهِيَ المَسْألَةُ التي يَقَعُ فِيهَا الاحْتِيَالُ الأكْبَرُ هُوَ أنَّ الدِّيمقراطيَّةَ الحَدِيثَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الفِكْرِ والاقْتِصَادِ الرَّأسْمَالِي، وبِالَّتالِي الاسْتِهْلاكِيِّ. لَكِنْ، وكَمَا ذَكَرْنَا في مُؤْتمَرِنَا السَّابِقِ عَنِ البِيْئَةِ، أنَّنَا أصْبَحْنَا في أَزْمَةِ شُحِّ مَوَارِدِ الأرْضِ، فَلَمْ تَعُدْ تَتَحَمَّلْ أو تَكْفِي أرْضُنَا ولا ماؤُنَا ولا هَوَاؤُنَا ولا نَبَاتُنَا ولا شَجَرُنَا ولا سَمَكُنا وَلا بَهَائِمُنا ولا مَنَاخُنَا لِمَزِيدٍ مِنَ الاسْتِهْلاكِ. فَهُنَا نُقْطَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ، وهِيَ أنَّ مُعَدَّلَ الاسْتِهْلاكِ الكَرْبُونيِّ لِكُلِّ شَخْصٍ في الدُّوَلِ المتقدِّمَةِ الدِّيمقراطيَّةِ ثَمَانيةٌ وثَلاثُونَ ضِعْفَ المُسْتَهْلِكِ المُسْلِمِ المُتَوَسِّطِ الدَّخْلِ والفَقِيرِ في الدُّوَلِ الإسْلامِيَّةِ. فإذَا أصْبَحَ المِلْيَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ مُسْتَهْلِكِينَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الدِّيمقراطِيَّةِ الغَرْبيَّةِ فَهَذَا يَزِيدُ اسْتِهْلاكَ الأرْضِ الكَرْبونيِّ العَالَمِيِّ خَمْسَةَ أضْعَافٍ على مَا هوَ عَلَيهِ اليَوْمَ. وفي هَذِهِ الحَالَةِ سَتَتَكَالَبُ عَلينَا الأمَمُ جَمِيعَاً فَقَطْ مِنْ أجْلِ البَقَاءِ عَلَى الأرْضِ، لأنَّهُ في هَذِهِ الحَالَةِ لا تَكْفِي مَوَارِدُ الأرْضِ لِلْبَشَرِيَّة،فَكَيفَ يُشَجِّعونَنَا عَلَى الدِّيمقراطِيَّةِ الاسْتِهلاكِيَّةِ؟ وأيْنَ الفِكْرُ الإسْلامِيُّ الذي سَيَقُودُنَا إلى الازْدِهَارِ بِدُونِ اسْتِهْلاكٍ مُدَمِّرٍ؟ يقولُ اللهُ تَعَالى:
"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" (الروم،30 :41).
وأخِيرَاً أقُولُ إنَّ هَذِهِ الأمُورَ جَمِيعَهَا أسْئِلَةٌ، ولا أدَّعِي أنَّ عِنْدِي حُلُولاً فِيْهَا، لَكِنْ لَدَيَّ يَقِينَاً أنَّ كُلَّ حَلٍّ لأيِّ قَضِيةٍ فِكْريةٍ أو فَلْسَفيَّةٍ مَوجُودٌ في القُرْانٍ الكَرِيمِ، لأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى يَقُولُ عَنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ: "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" (النحل،89 :16)؛ ويَقُولُ سُبْحَانَهُ:" وتفصيل كل شيء " (يوسف،111:12)؛ ويَقُولُ سُبْحَانَهُ: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"(الأنعام،6 :38). فَأَدْعُو نَفْسِي والعُلَمَاءَ إلى أنْ يَنْهَلُوا فِكْرِيَّاً مِنْ مَائِدَةِ اللهِ تَعَالى وَهُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالى: " لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا" (النساء،4 :166)
وَوَفَّقَكُمُ اللهُ تَعَالى جَمِيعَاً.
والسَّلامُ عَلَيكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ
يتبع ................... يتبع
--(بترا)
م خ /ب ص / حج
19/8/2013 - 04:27 م