في اليوم الوطني للقراءة: أكاديميون ومثقفون يؤكدون أن القراءة أهم مفاتيح التقدم والتحضر
2026/09/28 | 16:18:24
عمان 28 أيلول (بترا)-مجدي التل- تكمن أهمية القراءة وفوائدها للفرد والمجتمع ببناء جيل واعٍ ومثقف، يعمل على حماية نفسه ومجتمعه من الجهل والتخلف، كما أنها تسهم بتطوير الذات في النواحي المختلفة والتنمية البشرية وبالتالي تسهم بالنهوض والرقي الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب العديد من الدراسات؛ تعمل على تحفيز العقل وتعزز مهارات الكتابة وكسب المعرفة والقدرة على التحليل والنقد علاوة على فوائد أخرى ترتبط بالصحة النفسية والعقلية، ومن هنا جاء الاحتفال باليوم الوطني للقراءة الذي يصادف في 29 أيلول من كل عام لتعزيز ثقافة القراءة وجعلها عادة يومية بين الأفراد وبناءً على توجيه مجلس الوزراء الأردني الصادر في 26 أيلول من عام 2023، حيث تسعى الحكومة من خلال هذه المبادرة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي وإغناء المعارف.
وتعتبر القراءة من العناصر الأساسية التي تسهم في نهضة المجتمعات وتقدمها، فقد اتفق أكاديميون ومثقفون، خلال حديثهم إلى وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن القراءة تُعد من أهم مفاتيح التقدم والتحضر، فبدون القراءة، يصبح اكتساب المعرفة أمرًا شبه مستحيل، مما يؤثر سلبًا على قدرة الأفراد والمجتمعات على تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم.
الروائية والأكاديمية أستاذة الأدب العربي الحديث والدراسات الثقافيّة في الجامعة الأميركية في مادبا الدكتور شهلا العجيلي، قالت "تواجه عملية القراءة اليوم تحديها الأكبر، عبر التاريخ، بعد الأمية طبعًا، إذ تتعرض القراءة الفاعلة للهجر، بوجود الأدوات الرقمية التي تعتمد على الصورة للأطفال، وبوجود وسائل التواصل الاجتماعي لليافعين والكبار".
ولفتت العجيلي إلى أن تلك الوسائط تدفع بالمستخدمين أو المتلقين بعيداً عن الكتاب، على الرغم من وجود أشكال عديدة للكتاب، الورقي منها، والإلكتروني بأكثر من شكل، وبوجود أدوات قارئة وكتب صوتية، لكنها باتت بلا أهمية بالنسبة للأجيال الجديدة التي ولدت وهي تقلب شاشات "الموبايل" تحديدًا، بما يُعرف بالتصفح.
وأشارت إلى انه من خلال خبرتها في العملين الأكاديمي والثقافي، فإن بعض الذين يريدون أن يصيروا كُتابًا وروائيين، وبعضهم تحقق له ذلك، لم يقرأوا إلا لمامًا، وقراءاتهم محدودة أو غير نوعية، لذلك تجدهم عاجزين عن إقامة جملة عربية صحيحة، أو تكوين فكرة كاملة، أو حتى عن التعبير عن أنفسهم بشكل مقنع، إذ أن معاجمهم الشخصية فقيرة، وقدرتهم على التمييز الدلالي ضعيفة.
ودعت إلى أن يكون هناك استراتيجية وطنية، وخطة عمل واضحة للمدارس في مراحلها كلها، وللجامعات والمؤسسات، للعناية بالقراءة بعامة، وبالقراءة الأدبية أو الثقافية، لا بطريقة توعوية فحسب، بل ملزمة، وأن تضع هذه الاستراتيجية ضمن برنامجها موضوع حملات القراءة العامة، مع التحفيز بالجوائز المجزية، وخلق حالة تنافسية على القراءة في المجتمع، والاهتمام بالكتاب الجيد، الجذاب، ذي المحتوى العميق والعصري.
كما دعت إلى دعم نوادي القراءة الأهليّة، وتشجيعها، وتكريم القائمين عليها، لأن موضوع القراءة الجماعية يخلق مجتمعات نوعية، تربطها نوازع مشتركة سامية، ويمكن منحها فضاءات جغرافية للقاءات وعقد الندوات، مشيرة إلى نادي القراءة باللغة العربية في الجامعة الأميركيّة في مادبا.
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين، أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة اليرموك، الباحث والأكاديمي الدكتور رياض ياسين، قال إنه حينما نحتفي بيوم القراءة الوطني، لا نحتفي بالكتاب بوصفه ورقاً مصفوفاً بين غلافين، ولا بالقراءة باعتبارها عادة يومية يمكن أن نضيفها إلى قائمة عاداتنا، وإنما نحتفي بشيء أكثر عمقاً: نحتفي بقدرة الإنسان على أن يعيش أكثر من حياة، وأن يرى بعين غير عينه، وأن يسافر إلى أزمنة وأمكنة لم تطأها قدماه، وأن يتعرف إلى تجارب بشرية لم يكن من الممكن أن يعيشها بنفسه.
ونوه بأن الإنسان الذي يقرأ لا يعيش عمره وحده، ففي كل كتاب حياة أخرى، وفي كل رواية ذاكرة إنسان، وفي كل قصيدة قلب حاول أن يقول شيئاً عجز الواقع عن قوله. وحين نقرأ، فإننا نستعير مؤقتاً عيون الآخرين لنرى العالم من خلالها؛ نقترب من أحلامهم وخيباتهم وأسئلتهم، ونكتشف أن ما نظنه تجربة شخصية خالصة قد عاشه قبلنا آخرون، وربما عاشوه بصورة أكثر قسوة أو جمالاً.
وأكد على أهمية دور المؤسسات الثقافية، ومن بينها رابطة الكتاب الأردنيين، مشيرا إلى أن رابطة الكتاب، في صورتها الأعمق، ليست فقط مكاناً يلتقي فيه الكتاب، ولا إطاراً مهنياً للمثقفين، وإنما هي جزء من المساحة التي تحاول الثقافة من خلالها أن تحافظ على حضور السؤال، وعلى حق الإنسان بأن يفكر، وأن يختلف، وأن يبحث عن معنى لما يحدث حوله.
ولفت إلى أن المؤسسة الثقافية الحقيقية لا تقدم للإنسان أجوبة جاهزة بقدر ما تمنحه الأدوات التي تجعله قادراً على طرح أسئلته الخاصة، وهنا تكمن قيمة الكتاب، مبينا أن الكتاب يعلمنا كيف نفكر.
وفي هذا السياق قال ياسين إنه إيمانا بأهمية القراءة فإن رابطة الكتاب الأردنيين ستطلق خلال أيام مبادرة "كتاب الشهر" بالتعاون مع فريق "نقش"، وهو فريق يضم طلبة من الجامعات الأردنية ممن لديهم توجهات واهتمامات إبداعية، مشيرا إلى أن الرابطة بدأت في تأسيس برنامج قراءة شهرية معهم، تستضيف فيه الطلبة كل شهر لمناقشة كتاب، في محاولة لبناء علاقة مستمرة بين الشباب والكتاب، وبين القراءة والحوار، وبين المعرفة والممارسة الثقافية.
وبين أن الهدف من هذه المبادرة ليس أن نضيف كتاباً جديداً إلى قائمة الكتب المقروءة، وإنما أن نجعل الكتاب نقطة بداية للحديث والتفكير والنقاش، وأن يقرأ الطالب الكتاب ثم يأتي به إلى مساحة مشتركة، فيلتقي بقراءات أخرى له، ويكتشف أن الكتاب الواحد يمكن أن ينتج أسئلة متعددة، وأن الاختلاف في فهم النص ليس مشكلة، بل أحد وجوه الحياة الثقافية.
وأكد أن القراءة جزء من مشروع ثقافي واجتماعي، لا مجرد اهتمام فردي. أن تكون المكتبة مكاناً للحياة، وأن يكون الكتاب حاضراً في البيت والمدرسة والجامعة والمؤسسة الثقافية، وهذا العصر مع التحول الرقمي أصبح الكتاب متاحا في كل الأوقات وعبر كل الشاشات من خلال المكتبات الالكترونية.
وقال رئيس جمعية النقاد الأردنيين الدكتور زهير توفيق إن القراءة ضرورة مجتمعية وسيكولوجية وعقلية لنمو معرفي متواصل، وسوي للشخصية الإنسانية والمجتمع ككل، ودلالة على أهمية التعليم المستمر الذي لا يتوقف عند سن معين.
ودعا توفيق إلى إعادة النظر بالممارسات الثقافية والنظريات التربوية الخاصة بالناشئة. وذلك بتسهيل وصول الفتية للكتب التي تتضمن المهارات العقلية، والتفكير النقدي، والمنطق والمنهجيات، وكيفية تشكيل المفاهيم وما شابه، أما بالنسبة للكبار، فلدينا الكثير من الكتب، وغير الكتب من الوسائط الحديثة الإرشادية المناسبة لتطوير مهارات العصر المعرفية ومحو أمية الرقمنة.
ونوه بأن الكتاب كنز العالم التاريخي والحقيقي، ففيه كل ما أنجزته البشرية من معارف ونظريات وقوانين فقد ارتبط الكتاب وقبله الكتابة بالحضارة وخروج الإنسان من الطبيعة والدخول في عصور التاريخ؛ أي التحول من كائن طبيعي إلى الأنسنة بالكتابة والثقافة وبناء الحضارة.
--(بترا) م ت/م د/س أ