متحفا الآثار والتراث الشعبي في "الأردنية".. ذاكرة الأردن بين الشاهد والموروث
2026/09/16 | 15:48:53
عمان 16 أيلول (بترا) يوسف أبوعبدون- يقف متحفا "الآثار" و"التراث الشعبي" في قلب الجامعة الأردنية، شاهدين على امتداد قصة الإنسان على أرض الأردن؛ أحدهما يستعيد صفحات الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض من خلال الشواهد الأثرية، فيما يروي الآخر تفاصيل حياة الآباء والأجداد بما تحمله من أدوات وأزياء وحلي وأنماط معيشية.
ويشكل المتحفان، التابعان لكلية الآثار والسياحة بالجامعة، مساحة تتجاوز مفهوم العرض التقليدي للمقتنيات، لتؤدي دورا تعليميا وأكاديميا وبحثيا، وتتيح للطلبة والباحثين والزوار التعرف على التراث الحضاري والشعبي الأردني، في تجربة تجمع بين عمق التاريخ وذاكرة المجتمع.
وقال أمين متحف الآثار، الدكتور معاذ الفقهاء، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن جذور المتحف تعود إلى عام 1962، إذ بدأ بعدد محدود من القطع الأثرية، قبل أن تتطور فكرته بوصفه متحفا تعليميا مكملا للعملية الأكاديمية والتدريبية في قسم الآثار.
وأضاف أن المتحف انتقل عام 1986 إلى موقعه الحالي وسط الحرم الجامعي، وجرى الاستفادة من المساحات المحيطة به لعرض المزيد من القطع والشواهد الأثرية، ما عزز دوره في تعريف الطلبة والزوار بالتراث الحضاري والتاريخي للأردن.
وبين أن مقتنيات المتحف تأتي من مصادر عدة، أبرزها القطع التي تعيرها دائرة الآثار العامة للجامعة لغايات العرض المتحفي، إضافة إلى اللقى الناتجة عن الحفريات التدريبية لقسم الآثار، التي نفذت في مواقع عدة، من بينها جرش والبترا وتل المزار ورجم الكرسي وتل سيران وتل أبو نصير وتل أبو الصوان والمقص وحجيرة الغزلان، ما يعزز الربط بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق الميداني.
وأوضح أن المتحف يعتمد التسلسل الزمني في عرض مقتنياته، ليأخذ الزائر في رحلة تبدأ من عصور ما قبل التاريخ والعصور "البرونزية والحديدية"، مرورا بالفترات "الهلنستية والرومانية والنبطية والبيزنطية"، وصولا إلى الفترات الإسلامية المختلفة.
وأشار إلى أن قاعات المتحف تضم لقى من مواقع أثرية أردنية مختلفة، إضافة إلى مجموعة من الفخاريات الفاطمية المهداة من مصر، مؤكدا أن رسالة المتحف تتجاوز حفظ القطع وعرضها إلى خدمة الباحثين والدارسين، وتعميق المعرفة بتراث الأردن الحضاري، وتنمية الوعي بأهمية المحافظة عليه.
ويفتح المتحف أبوابه لمختلف الفئات العمرية، ولا سيما طلبة المدارس، إلى جانب دوره في إقامة المعارض وتعزيز التعاون العلمي والثقافي مع المؤسسات ذات الاهتمام المشترك، ليشكل مساحة تعليمية تربط المعرفة النظرية بالشاهد الأثري المادي.
وفي مشهد مكمل للرواية التاريخية، ينقل متحف التراث الشعبي الزائر إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية واليومية للأردنيين، ويقدم صورة عن الموروث الشعبي بما ارتبط به من عادات وحرف وأزياء وأدوات وأساليب معيشة.
بدوره، قال أمين متحف التراث، طارق المهيرات، إن المتحف تأسس عام 1986 ليحفظ جانبا مهما من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمجتمع الأردني، ويعرف الأجيال الجديدة بتفاصيل الحياة والأدوات والعادات التي شكلت جزءا من تاريخ المجتمع.
وأضاف أن المتحف يقدم صورة عن التنوع الذي ميز المجتمع الأردني عبر ثلاثة محاور رئيسية، هي حياة البادية والحياة الريفية وحياة المدينة، بما يعكس تنوع البيئات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المملكة.
وأوضح أن المعروضات تشمل نماذج من بيت الشعر المرتبط بحياة البادية، ومقتنيات تمثل الحياة الريفية والمدنية، إضافة إلى الأزياء والحلي والأدوات التي استخدمها الأردنيون في حياتهم اليومية، إذ لا تكمن قيمتها في قدمها فحسب، وإنما في المعلومات والدلالات التي تحملها عن حياة الإنسان الأردني وحرفه وعاداته وتقاليده وعلاقاته الاجتماعية.
وأشار إلى أن المتحف يضم نحو 500 قطعة تراثية معروضة في أروقته، إلى جانب مقتنيات أخرى محفوظة في المستودع، تشكل رصيدا مهما للتعليم والبحث وإمكانية تطوير المعارض المتحفية مستقبلا، مؤكدا أن الدور التعليمي والتطبيقي يمثل ركنا أساسيا في عمل المتحف، إذ يتيح لطلبة كلية الآثار والسياحة، ولا سيما طلبة قسمي الآثار وإدارة المصادر التراثية، تطبيق المعارف النظرية والتدرب على طرق العرض والتوثيق والحفاظ على المقتنيات والإرشاد المتحفي واستقبال الزوار.
وبين أن المقتنيات توثق من خلال تسجيل بيانات كل قطعة ووصفها وتحديد نوعها ومادتها وأبعادها وحالتها وتصويرها وتحديث سجلاتها، لافتا إلى أهمية التوسع في الرقمنة والاستفادة من التقنيات الحديثة لخدمة عمليات الحفظ والتعليم والبحث.
ورغم اختلاف طبيعة مقتنيات المتحفين، فإنهما يلتقيان في رسالة واحدة تتمثل في حفظ ذاكرة الأردن ونقلها إلى الأجيال المقبلة؛ إذ يوثق متحف الآثار الامتداد الحضاري والتاريخي للأرض الأردنية، فيما يحفظ متحف التراث الشعبي تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان الأردني.
ويمنح وجود المتحفين في قلب الحرم الجامعي هذه الرسالة بعدا تعليميا وثقافيا إضافيا، ويجعل التراث قريبا من الطلبة والباحثين والزوار، فيما يسعى المتحفان إلى تطوير أساليب العرض والرقمنة وتعزيز التعاون مع المؤسسات الثقافية والأكاديمية والمجتمعية.
وبهذا التكامل، يشكل متحفا الآثار والتراث الشعبي نافذتين على ذاكرة الوطن؛ الأولى تقرأ تاريخ الأردن من خلال شواهده الأثرية، والثانية تروي حياة أهله من خلال موروثهم الشعبي، فيما تجمعهما رسالة الحفظ والتعليم والبحث ونقل المعرفة إلى الأجيال القادمة.
--(بترا) ي ع/ع أ/س أ