الأمير غازي يؤكد ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والاجماع ..إضافة 1
أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَوْضُوعِنَا اليَوْمِ الذِي هُوَ "مَشْرُوعُ دَوْلَةٍ إسْلامِيَّةٍ حَدِيْثَةٍ قَابِلَةٍ لِلاسْتِمْرَارِ ومُسْتَدَامَةٍ"، فَهُوَ مَوْضُوعُ السَّاعَةِ، وَهُوَ المَوْضُوعُ الأهَمُّ الذِي يَحْتَاجُهُ العَالَمُ الإسْلامِيُّ فِكْرِيَّاً في الوَقْتِ الحَاضِرِ بَعْدَ أحْدَاثِ آخِرِ ثَلاثِ سَنَوَاتٍ، فَإنَّنَا نَنْتَظِرُ بِشَوقٍ رَأْيَ وحُكْمَ العُلَمَاءِ أعْضَاءِ الأكَادِيْمِيَّةِ المَلَكِيةِ حَولَ هَذَا المَوْضُوعِ بِالذَّاتِ، لأنَّهُ – في رَأينَا المُتَوَاضِعِ – قَدِ اسْتَبقَتْ الحَوَادِثُ التَّفْكيرَ والحِوَارَ.
نَحْنُ المُسْلِمُونَ – "ومآ أبرئ نفسي" (يوسف،12 :53) – مُنْقَسِمُونَ بَينَ أنْفُسِنَا حَتَّى لَجَأْنَا في بَعْضِ الدّوَلِ إلى القَمْعِ؛ وأحْيَاناً إلى العُنْفِ؛ وأَحْيَاناً – وأقُولُهَا مَعَ الحُزْنِ الشَّدِيدِ - إلى سَفْكِ الدِّمَاءِ، كَمَا نَرَى هذِهِ الأيَّامِ؛ وأحْيَاناً إلى الخَلْعِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الخُرُوجِ المُسَلَّحِ مِنْ دُونِ الكُفْرِ البَوَاحِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الصِّرَاعِ المَذْهَبِيِّ في الدِّينِ الوَاحِدِ؛ وكُلُّ هَذَا مِنْ غَيرِ أنْ يَعْرِفَ أكثَرُنَا الفَرْقَ بَيْنَهُم، إلى أنْ وَصَلْنا إلى الفِتْنَةِ العَمْيَاءِ الصَّمَّاء،ويَبْدُو لِي أنَّ هُنَاكَ تَقْصِيرَاً في شَرْحِ الفَرْقِ بَينَ إبْدَاءِ الرَّأيِ والأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وكَلِمَةِ الحَقِّ أمَامَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ - وَهُوَ جَائزٌ بَلْ وَاجِبٌ في كُلِّ حَالٍ - وكَلِمَةِ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ والاسْتِدْرَاجِ تَحْتَ شَعَائِرِ الحُرِّيَةِ والديمقراطِيَّةِ التي تُؤَدِّي إلى الغَوْغَائِيَّةِ والفَوْضَى والفِتَنِ العَمْيَاءِ الصَّمَّاء. فأصْبَحْنا نَسْتَعْمِلُ ما يُنَاسِبُنَا مِنَ الدِّيْنِ لِكَي نُبَرِّرَ أفْكَارَنَا ومَآرِبَنَا ومَا نَنْحَازُ إليهِ دُونَ أنْ نَتَطَلَّعَ إلى نُصُوصِ وحُكْمِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ والحِكْمَةِ المُنْبثقةِ مِنْهُمَا بِتَجَرُّدٍ ومَوْضُوعِيَّة، مُسْتَذْكِرِينَ قَولَ اللهِ تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيرة". (القيامة، 75 :14-15).
وعَلَى أيَّةِ حَالٍ يَبْدُو لِي أنَّ المَوضُوعَ مَلِيءٌ بِاللُّبْسِ والالْتِبَاسِ ومُخَادَعَةِ النَّفْسِ والوَهْمِ والاحْتِيَال. فَعَلَى هذا يَجِبُ أنْ نَتَعَرَّضَ إلى أرْبَعِ مَسَائِلَ فِكْرِيَّةٍ كُبْرَى (على الأقَلِّ)، كُلُّهَا مُتَضَمَّنَةٌ في مَحَاوِرِ المؤتمرِ، وهيَ:
1. الدَّوْلَةُ الحَدِيْثَةُ: هَلْ لها نَفْسُ مَفْهُومِ الدَّوْلَةِ في التَّاريخِ الإسْلامِيِّ أوْ في الشَّرِيعِةِ؟ هَلْ لها نَفْسُ السُلُطَاتِ نَحْوِ الفَرْدِ في الفِكْرِ الإسْلامِيِّ أو حَتَّى في الفِكْرِ الليبراليِّ الحَدِيثِ؟ وعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، هُنَاكَ عَشَراتٌ مِنَ المجْمُوعَاتِ في الوِلايَاتِ المُتَّحِدَةِ تَعْتَرِضُ وتُقَاوِمُ سُلُطَاتِ الحكُومَةِ والدَّولَةِ وذلكَ بِنَاءاً على الدُّسْتُورِ الأميْركيِّ، وعلى أيَّةِ حَالٍ فَإنَّ سُلُطَاتِ الدُّولِ الحَدِيثَةِ تَتَغيَّرُ كُلَّ سَنَةٍ إنْ لم يَكُنْ كُلَّ يَوْمٍ، فَكَيفَ يَفْقَهُ ويُرَاقِبُ وَيَحْكُمُ العُلَماءُ على هَذِهِ السُلُطَاتِ ومُعْظَمُهَا سِرِّيَةٌ ومُعَقَّدةٌ تِكْنولوجِياً وقَانُونِيَّاً؟
2. تَطَابُقُ الإسْلامِ والدِّيمقراطيَّة: قدْ سَمِعنَا البَعْضَ يَقُولُ إنَّ الدِّيمقراطيَّةَ والإسْلامَ هُمَا نَفْسُ الشَّيءِ، أوْ إنَّهُمَا مُنْسَجِمَانِ، أوْ إنَّهُمَا يُؤَكِّدَانِ عَلَى نَفْسِ المَبَادِئِ والغَايَاتِ، وقَدْ سَمِعْنا البَعْضَ الأخَرَ يُنكِرُ ذَلكَ تَمَامَاً، ويُحَرِّمُ الدِّيمقراطيةَ ويَعْتَبرُهَا بِدْعَةً غَرْبيةً. وهُنَاكَ أيضَاً مَنْ لا يُؤْمِنُ بِالدِّيمقراطيَّةِ وَلَكنَّهُ مُسْتَعِدٌ أنْ يُسَايِرَ الفِكْرَةَ مُؤقَّتاً لِكَي يَصِلَ إلى السُّلْطَةِ، ثُمَّ يُمَارِسُ في سُلطَتِهِ أُسْلُوبَاً غَيرَ دِيمقراطِيٍّ يَتَخَلَّصُ مِنْ الدِّيمقراطيَّةِ تَمَاماً مِنْ خِلالِهَا، فَتُصْبِحُ الدِّيمقراطِيَّةُ وَسِيلَةً وَلَيسَتْ غَايَةً، وَسِلاحَاً ولَيْسَتْ سِلْمَاً، وقَمْعَاً ولَيْسَتْ حُرِّيَةً.
وهذا مَوضُوعٌ طَوِيلٌ ومُعَقَّدٌ، وَلَكِنْ لا شَكَّ أنَّ عَامَّةَ المُسْلِمينَ وحَتَّى كَثِيرَاً مِنَ العُلَمَاءِ يَحْتَاجُونَ لِمَزيدٍ مِنَ التَّوضِيحِ والتَّفْصِيلِ لِلقَضَايا المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا المَوضُوعِ المُهِمِّ، لأنَّهُ - شِئْنَا أمْ أبَيْنَا - مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ وحَتَّى المُلْتَزِمينَ بِالدِّينِ أصْبَحُوا يُؤْمِنُونَ بِالدِّيمقراطيَّةِ كَنِظَامٍ سِيَاسِيٍّ.
فَدَعُونِي أسْألُ هُنا: في الحُكْمِ الإسْلامِيِّ هَلِ الشَّرِيعَةُ مَصْدَرُ السُّلُطَاتِ، أوْ الشَّعْبُ، أوْ دُسْتُورٍ مَا، أوِ الإجْمَاعُ؟ وهَلْ حُقُوقُ الإنْسَانِ في المَفْهُومِ الدِّيمقراطِيِّ تَتَنَاسَبُ مَعَ حُقُوقِ النَّاسِ وَمَقَاصِدِ الشَّريعَةِ في الإسْلام، ومَاذَا عَنْ حُقُوقِ التَّعْبيرِ (ومِنْها في الدِّيمقراطِيَّةِ "حَقُّ" إهَانَةِ شَعَائِرِ اللهِ تَعَالى) وحُقُوقِ الحُرِّيَّةِ الجِنْسِيَّةِ، إنْ كانَتَا نَفْسَ الشَّيءِ، على سَبِيلِ المِثَالِ ... ؟.
يتبع ..................يتبع
--(بترا)
م خ / ب ص / حج
19/8/2013 - 04:08 م