الأمير غازي يؤكد ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والاجماع ..اضافة 3
فَأسْألُ نَفْسِي لمَاذَا لم يَكْتُبْ صَحَفِيٌّ وَاحِدٌ مِنَ الدُّولِ الغَرْبِيَّةِ أنَّ كُلَّ دُسْتُورٍ جَدِيدٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلِيهِ إجْمَاعٌ كَامِلٌ ولَيْسَتْ أغْلَبيةً بأكْثَريَّةِ المُصَوِّتِيْنَ، لِكَي لا تَتَشَقَّقَ الدّولَةُ وتَتَمَزَّقَ ويُصْبِحَ فيها صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ وانْقِسَامٌ؟ ومِنَ المَنْطِقِ أنَّهُ مِنْ غَيرِ المُمْكِنِ أنْ تَقُومَ دَوْلةٌ وتَزدَهِرَ وثُلُثُ شَعْبِها غَيرُ رَاضٍ عَلَى نَهْجِ تَكْوينِهَا، على سَبِيلِ المِثَالِ. ولَو كَانَ إجْمَاعٌ في مِصْرَ وإجْمَاعٌ في العِرَاقِ وإجْمَاعٌ في سُورْيَا أصْلاً مِنَ الأسَاسِ بَينَ جَمِيعِ الأطْرَافِ الشَّعْبيَّةِ مَا وَصَلْنَا إلى مَا وَصَلْنَا إلَيْهِ. فَاعْتَقِدُ أنَّ عَلَى العُلَمَاءِ دَوْرَاً في حَلِّ هَذِهِ المُشْكِلَةِ الفِكْرِيَّةِ، وَهِيَ: "مَا هُوَ السَّوَادُ الأعْظَمُ"؟ هَلْ هُوَ 51% مِنَ العُلَماءِ – أيْ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ أوْ أهْلُ الذِّكْرِ - يقولُ اللهُ تَعَالى: "فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (النحل،16 :43) و(الأنبياء،21 :7)؟ فَالصَّوابُ في الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلَى الحَقِيقَةِ – كَمَا عَبَّرَ عَنهُ أفلاطونُ في حِوَارِهِ (لاتشس) - ولَيسَ عَلَى عَدَدِ حَامِلِي الرَّأيِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالى:
"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" (الزمر،39 :9)
ولَكِنْ هَلْ لَنَا أنْ نَعْتَبِرَ عَامَّةَ النَّاسِ عُلَمَاءَ في السِّياسَةِ في أيَّامِنَا هَذِهِ؟ أوْ هَلْ "السَّوادُ الأعْظَمُ" هُوَ 51% مِنَ النَّاسِ أوْ مِنَ المُنْتَخِبِينَ؟ أوِ الثُّلُثينِ مِنَ النَّاسِ؟ أو 75% مِنَ النَّاسِ؟ أوْ كَمَا اجْتَهَدَ سَيِّدُنَا عُمَرُ ، حَيْثُ جَعَلَ التَّرْجِيحَ لِلخِلافَةِ لِخَمْسَةٍ مِنْ سِتّةٍ مِنْ أصْحَابِ الأمْرِ؟، أيْ بِـنِسْبةِ 90% تَقْرِيبَاً . ويَنْبَغِي هُنَا أنْ نَتَذَكَّرَ أنَّهً قَدْ يَحْصُلُ في جَوٍّ غَوغَائيٍّ مَا، انْتِخَابُ دِيكْتَاتُوريينَ وَمُجْرِمِينَ مِنْ قِبَلِ الفِئَةِ الأكْبَرِ مِنَ المُنْتَخِبِينَ أوْ مِنَ الأغْلَبيَّةِ لأسْبَابٍ طَائِفِيَّةٍ: فَهِتْلَرُ انْتُخِبَ في عَامِ 1932م في ألمانيا، وانتُخِبَ مُوسيليني في إيطاليَا، وفرانكو في إسبانيا، وميلوسفتش في صِرْبيا، وكارديتش في البوسْنَه، وجَمِيعُهُمْ انْتُخِبُوا غَوْغَائِيَّاً مِنْ قِبَلِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ لِنِيّةِ قَمْعِ فِئَاتٍ أُخْرَى، وهَذَا أمْرٌ قَدِيمٌ ومَعْرُوفٌ وهُوَ مَا يُحَذِّرُ مِنْهُ أفْلاطُونُ في الفَصْلِ الثَّامِنِ مِنْ كِتَابِهِ "الجمهورية"، وهيرودتس (أوَّلُ مُؤَرِّخٍ في العَالَمِ) في الفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ "التَّوَارِيخُ" قَبْلَ أكثرِ من أَلْفَينِ وخَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، فَهَلْ يَسْمَحُ الإسْلامُ بِذَلِكَ؟
فَمَا هُوَ المَانِعُ مِنَ "الاجْتِمَاعِ حَتَّى الإجْمَاعٍ"، أوْ اجْتِمَاعَاتٍ طَوِيْلَةٍ تَسْتَغْرِقُ سَنَوَاتٍ تُؤَدِّي إلى التَّوَافِقِ؟ في جَنُوبِ أفْرِيقْيَا الحَدِيثِ ـ مَثَلاً ـ بَعْدَ انْهِيَارِ نِظَامِ (ابارتايت) جَلَسَ النَّاسُ ثَلاثَ سَنَوَاتٍ إلى أنْ اتَّفَقُوا عَلَى الدُّسْتُورِ الجَدِيدِ، أعْطَى فِيهِ الكُّلُّ شَيْئَاً وَأَخَذَ شَيْئَاً، حَتَّى صَارَتِ الثِّقَةُ مُتَبادَلَةً بَينَ جَمِيعِ الأطْرَافِ بِالرَّغْمِ مِنْ مَشَاكِلِهِمُ الأُخْرَى. لَكِنَّنَا في العَالَمِ العَرَبيِّ هَرْوَلْنَا إلى مَكَاسِبَ لِفِئَاتٍ وَجَهِلْنَا نَتَائِجَ إقْصَاءِ فِئَاتٍ مِنْ شُعُوبِنَا إلى أنْ وَصَلْنَا إلى البَغْضَاءِ وثُمَّ إلى الفِتْنَةِ، فَأتمنَّى أنْ تَكُونَ إحْدَى نَتَائِجِ هَذَا المُؤْتَمَرِ أنْ يَخْرُجَ العُلَمَاءُ بِتَحْدِيدِ نِسْبَةِ "السّوَادِ الأعْظَمِ" التي يَقَعُ عَلَيْهَا الإجْمَاعُ - وأَقْصِدُ هُنَا بالطَّبعِ الإجْمَاعَ السِّيَاسِيَّ ولَيْسَ الإجْمَاعَ العِلْمِيَّ. فَالإمَامُ الشَّافِعِيُّ قَرَأَ القُرْآنَ الكَرِيمَ سِتَّةً وثَلاثِينَ مَرِّةً - وفي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةً - بَاحِثَاً عَنْ دَلِيلِ الإجْمَاعِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي قَالَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ: "وكل شيء فصلناه تفصيلا" (الإسراء،17 :12) - حَتَّى وَجَدَهُ في الآيةِ الكريمَةِ:
"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا"(النساء،4 :115).
فَعَلَى العُلَمَاءِ أنْ يَقْتَدُوا بِهِ ويَبْحَثُوا عَنْ نِسْبَةِ "السَّوَادِ الأعْظَمِ"، وَيَجْعَلوا لِلأُمَّةِ مَخْرَجَاً مِنَ الفُرقَةِ بَينَ أبْنَاءِ الدِّينِ الوَاحِدِ أوِ البَلَدِ الوَاحِدِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالى:
"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم أياته لعلكم تهتدون" (آل عمران،3 :103).
3. الحُكْمُ المَلَكِيُّ في الإسْلامِ: أمَّا بِالنِّسْبةِ لِلمَسْألَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ مَوضُوعُ الحُكْمِ المَلَكيِّ في الإسْلامِ، ومَوْقِفُ الإسْلامِ مِنْهُ، فَهَذَا مَوضُوعٌ يَحْتَاجُ أيْضَاً إلى بَحْثٍ عَمِيقٍ، لأنَّهُ بالرَّغْمِ ممَّا يَظُنُّهُ بَعْضُ المُعَاصِرينَ فَانَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى هُوَ المَلِكُ الحَقُّ، ومَالِكُ المُلْكِ، وبِيَدِهِ المُلْكُ، ويُؤْتِي المُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ. يَقُولُ اللهُ تعالى:
"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" (آل عمران،3 :26)
يتبع ....................يتبع
--(بترا)
م خ / ب ص/حج
19/8/2013 - 04:22 م