الملك: الإصلاح في الأردن بأيدي الناخبين وأصواتهم اضافة خامسة واخيرة
سؤال 13: كمراقبين، كنا نشعر بأن تداعيات الربيع العربي شغلت أجندة الإقليم على حساب قضية العرب الأولى: فلسطين، إلا أن تصويت 138 دولة لصالح تغيير صفة فلسطين من صفة مراقب إلى دولة مراقبة غير عضو في المنظمة الدولية، أنعش الآمال بتحرك العملية السلمية. كيف تقرأون جلالتكم هذه التطورات خاصّة في ظل نجاح الرئيس الأميركي باراك أوباما لدورة رئاسية ثانية؟
جلالة الملك: ابتداء، نبارك للشعب الفلسطيني الشقيق هذا الإنجاز الذي جاء نتيجة كفاح هذا الشعب وصموده، ونتيجة مساعي السلطة الوطنية الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عبّاس، والذي نجح بتأييد دولي تاريخي في انتزاع فلسطين مكانة دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة. وفي الحقيقة، فهذا الإنجاز هو شهادة من العالم على عدالة القضية الفلسطينية، وفداحة الظلم التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين، وهو أيضاً رسالة تأييد دولية للنهج الرافض للعنف والحريص على إحلال السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط وفق حل الدولتين.
ولا شك أن لهذا القرار نتائج دبلوماسية وقانونية تصب في مصلحة القضية الفلسطينية، وهو إنجاز تاريخي واستراتيجي، إذ يضيف مستوى متقدما من الاعتراف والاحترام الدولي للدولة الفلسطينية، ويضع إسرائيل أمام مسؤوليات دولية كدولة محتلّة، في ظل إجماع دولي على حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية على التراب الوطني الفلسطيني. ونعوّل على هذا القرار لتحريك جهود المصالحة الفلسطينية، وتوحيد الصف الفلسطيني لمواجهة مختلف التحديات.
بالنسبة لنا، فإن الأردن سيحرص، كما هو الحال دائما، على توظيف هذا الإنجاز الفلسطيني في دبلوماسيته الساعية لتركيز الاهتمام الدولي والإقليمي على القضية الفلسطينية وعدالتها. وسنبني على هذا الإنجاز وسنحرص على تدعيمه بمبادرة السلام العربية لإعادة الزخم لعملية السلام، وحث الفلسطينيين والإسرائيليين على الشروع في مفاوضات الوضع النهائي، وصولاً إلى حلول تاريخية وشجاعة.
أيضاً، دعونا لا ننسى أهمية هذا الإنجاز الدبلوماسي والقانوني والذي يأتي كرد حاسم على مقولات الوطن البديل وما يسمى الخيار الأردني. يجب علينا الآن كعرب وكأردنيين نتشارك الألم والمصاب مع أشقائنا الفلسطينيين، أن نعمل ونضغط بكل السبل الدبلوماسية المتاحة من أجل الوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة على التراب الوطني الفلسطيني على حدود عام 1967، وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية.
سؤال 14: وماذا عن الإدارة الأميركية، جلالتكم، وانشغالها في تطورات الربيع العربي التي تلح على أجندة الإقليم على حساب الاهتمام بالقضية الفلسطينية؟
جلالة الملك: تعامل الولايات المتحدة مع ملف السلام مؤسسي، واليوم لدينا فرصة جيدة لإعادة تركيز الاهتمام بالقضية الفلسطينية مع وجود الرئيس أوباما لفترة رئاسية ثانية، بحيث يكون مطلعاً على تفاصيل النزاع وحيثيات التسوية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن الضروري أيضاً البناء على دعم الرباعية الدولية، والعمل بإيجابية مع جميع الشركاء الدوليين والإقليميين.
وسنعمل سويا مع الرئيس أوباما في رئاسته الثانية وصولا إلى انخراط أميركي سريع وجدي في عملية السلام وفقا لحل الدولتين. المشكلة التي واجهناها سابقا هي أن الولايات المتحدة كانت منشغلة بأولوياتها الداخلية نظراً لتحدياتها الاقتصادية ومن ثم انشغالها بالانتخابات الرئاسية في العام الأخير. ومن المشاكل التي نواجهها أيضاً أن هناك فئة في إسرائيل مازالت تفكر بعقلية القلعة وفرض واقع أحادي واستمرار الاستيطان مما يعني تراجع فرص حل الدولتين، وهذا يكرس عملياً واقع الدولة الواحدة، ولكنها ستكون بأغلبية شعب فلسطيني مضطهد، وهذا نظام تمييز عنصري بامتياز وليس نظاما ديمقراطياً، وهو مسار خطير يقوض حل الدولتين.
أما في الجوار الإقليمي، فإن بعض الدول العربية عاكفة على شؤونها الداخلية إما بسبب أولوياتها الإصلاحية، أو الانشغال في عمليات التحول الديموقراطي بفعل الربيع العربي، وهذا واقع سيتغير لصالح القضية الفلسطينية مع صعود الديموقراطية في العالم العربي.
وهذا يعني أن التراجع بالاهتمام في القضية الفلسطينية مؤقت، وعلينا العمل لإحياء مركزيتها، والبناء على الزخم الدولي الذي حققته السلطة الوطنية الفلسطينية في الجمعية العمومية بتحول فلسطين إلى دولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب، وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح، وستكون عاملا مهما في حشد الدعم الدولي لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق التي سنستمر بتأييدها في مختلف المحافل. ودورنا سيتركز في إعادة الزخم الدبلوماسي العربي والدولي لتبقى القضية الفلسطينية حاضرة على الأجندة الدولية والإقليمية، ولتستمر العملية التفاوضية لأنها السبيل الوحيد للوصول إلى سلام عادل ودائم وفق حل الدولتين، ولتتم معالجة مختلف قضايا الوضع النهائي، مع الحفاظ على حقوق الأردن في أي تسوية نهائية، وصولاً لتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، وكل هذا مصلحة أردنية عليا كما هو مصلحة فلسطينية في آن واحد.
ولنكن متنبهين إلى أن ما شهدناه مؤخرا من تصعيد عسكري وعدوان إسرائيلي على قطاع غزة يظهر الحاجة الفعلية إلى تسريع وتكثيف العمل من قبل جميع الأطراف المعنية لتنشيط وإحياء جهود السلام وصولا إلى تسوية عادلة وشاملة، وأن نستبق التسريع الممنهج للاستيطان الإسرائيلي ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض يستنفذ حل الدولتين.
سؤال 15: أخيرا، كيف ينظر جلالة الملك إلى مجمل الأوضاع الداخلية والإقليمية، وهل جلالتكم متفائل؟
جلالة الملك: بالرغم من تعقيدات المشهد الإقليمي وخطورته وصعوبة التنبؤ بالقادم، والاستحقاقات الوطنية الكبيرة التي تحتاج الكثير من الوقت والجهد المخلص من الجميع، فإنني متفائل دوما بقدرة شعبنا الأردني على تجاوز التحديات الداخلية والخارجية.
وسيستمر الأردن في تحقيق نهضته الشاملة مستنداً إلى مبادئنا النابعة من الثورة العربية الكبرى: مبادئ الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والمساواة، وإلى قيمنا في العيش المشترك والتسامح والتعددية والوسطية، واحترام كرامة الفرد.
إن هذا الوطن الذي تجاوز عمره التسعين عاما، وهذا الشعب الأصيل، الذي احتضن على الدوام إخوانه العرب عند الحاجة، وتقاسم معهم لقمة الخبز بالرغم من ضنك الحياة، ودافع عن ثرى فلسطين، واستشهد أبناؤه على ترابها، وفتح أبوابه لكل من استجار به وتحت مختلف الظروف، سيخرج من جميع الأزمات التي تحيط به أقوى من قبل، وسيستمر الإنسان الأردني، بإذن الله، قصة نجاح رغم كل التحديات.
--(بترا)
ب ط/ س ك
5/12/2012 - 10:16 ص