رمضان الطفيلة بين عبق الماضي وتحولات الحاضر
2026/03/17 | 17:35:11
الطفيلة 17 آذار (بترا)-بين أزقة الطفيلة القديمة، ما تزال ذاكرة المكان تختزن حكايات رمضان كما عاشه الآباء والأجداد؛ شهرٌ كانت تتقدمه مشاعر الشوق وتزدان لياليه بالمحبة والتكافل، قبل أن تُبدل مظاهر الحداثة والتكنولوجيا الكثير من ملامحه الاجتماعية، فتتراجع اللقاءات الوجاهية وتغيب بعض العادات التي شكّلت روح الشهر وخصوصيته في وجدان أبنائه.
ويستذكر مسنون مجالس "أيام زمان" في رمضان، حين كانت البيوت مفتوحة والقلوب عامرة بالمودة، قبل أن تستبدل تلك الأجواء بمتابعة المسلسلات والبرامج والمسابقات التلفزيونية.
ويؤكدون أن الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع أبناء الحي الواحد تراجعت أمام النزعة المادية ومتطلبات الحياة العصرية، لتبقى رائحة القهوة العربية والبخور ومظاهر التهاني بقدوم الشهر الكريم علامات راسخة في الذاكرة.
الوجيه علي الخوالدة قال إن جيل الأجداد كان أكثر ترابطًا، ويزداد تماسكًا في رمضان؛ إذ كانت العائلة الواحدة تجتمع على مائدة إفطار واحدة، وكذلك نساء الحي، فيما يلتقي الرجال بعد الإفطار في حلقات ودية في سوق الطفيلة القديم، وعلى عيون مياه العنصر والجهير وحاصدة، يتبادلون الأحاديث في أجواء تسودها المحبة والصلة، فيما تتعهد النسوة بإرسال أطباق الطعام قبيل الإفطار إلى الجيران تعزيزًا للتكافل.
وأشار المختار محمد الحوامدة إلى الفوارق الكبيرة بين رمضان قديمًا وحديثًا، خاصة في مظاهر الألفة وتبادل الأطباق، حيث كانت المائدة أشبه ببوفيه متكامل من أطباق الحارة جميعها، تغلب عليه الصبغة العشائرية وروح الأسرة الممتدة، قبل أن تؤثر مظاهر العصرنة ووسائل الترفيه الحديثة على تلك الروابط.
المختار أكرم السوالقة أوضح أن الأهالي كانوا يستعدون للشهر الفضيل قبل أشهر، مستفيدين من خيرات أرضهم من قمح وزيت زيتون وخضار مجففة ومشتقات الألبان كاللبن والجميد والسمن البلدي، التي شكّلت أساس المائدة الرمضانية.
أما رئيس مجلس عشائر الطفيلة إيادالحجوج، فاستذكر طرق تحري هلال رمضان قديمًا باستخدام منديل أبيض لرصد خيالات الهلال في السماء، في مشهد يسبق إعلان "غرة رمضان"، حيث تعلو التهاني بعبارة "مبروك عليك الشهر".
وكانت أول أيام رمضان تبدأ بـ"عزومة" تجمع الأسرة الكبيرة، يُذبح فيها خروف وتُقدّم الفتة قليلة الملح، خصوصًا إذا صادف الشهر أيام القيظ.
وفي حديثهم عن تفاصيل الحياة اليومية، أشار كبار السن إلى اعتمادهم على المسحراتي الذي يجوب الحارات المظلمة لإيقاظ الناس للسحور، قبل أن يتلاشى دوره مع الزمن. وكان السحور بسيطًا، يتكون من الزيت والقطين والزيتون أو اللبن المخيض، فيما تتصدر أطباق مثل "الرشوف" و"المنسف" و"الششبرة" و"المجللة" و"الرقاقة" الموائد، في ظل تبادل دائم للأطعمة بين الجيران.
ومع اقتراب العشر الأواخر، تبدأ الاستعدادات للعيد بإرسال أحد أبناء القرية إلى المدينة لمعرفة موعده، قبل انتشار المذياع، لتعم الفرحة أرجاء القرى، وتشرع النسوة في إعداد "الفتة" الصباحية بالحليب وخبز الطابون والسمن البلدي، إيذانًا باستقبال عيد الفطر.
هكذا بقي رمضان الأمس في الطفيلة عنوانًا للألفة والتراحم والتكافل، وذاكرة جمعية تختزن تفاصيل حياة بسيطة، لكنها غنية بقيمها وروحها الاجتماعية الدافئة.
--(بترا)- س.م/ ع ط