ريادة الأعمال.. اقتصاد فرص يبدأ بفكرة ويتحول لقيمة اقتصادية مستدامة
2026/10/12 | 13:10:12
عمان 12 تشرين الأول (بترا)- رائف الشياب- لم تعد ريادة الأعمال في الاقتصادات الحديثة تقاس بعدد الشركات التي تسجل سنويا أو بحجم المشروعات التي تدخل السوق، بقدر ما تقاس بقدرة الأفكار والمبادرات الجديدة على التحول إلى نماذج أعمال قابلة للاستمرار والنمو والتوسع، وخلق قيمة اقتصادية حقيقية تتجاوز حدود المشروع والسوق المحلي.
وقد يبدأ المشروع من فكرة بسيطة، ولكن اختباره أمام احتياجات العملاء وقدرته على بناء طلب حقيقي وتحقيق إيرادات مستدامة هو الذي يحدد فرص تحوله إلى مشروع ريادي قابل للنمو.
وتبرز الشركات الناشئة في هذا السياق بوصفها أحد محركات الابتكار والاستثمار وخلق فرص العمل، لا سيما عندما تتمكن من تحويل مشكلة قائمة أو حاجة غير مشبعة إلى منتج أو خدمة ذات قيمة، ثم تطوير نموذج أعمال قابل للتكرار والتوسع في أسواق جديدة.
وأكد خبراء أكاديميون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن جوهر ريادة الأعمال لا يكمن في تأسيس شركة جديدة بحد ذاته، إنما في القدرة على اكتشاف مشكلة حقيقية وتطوير حل عملي لها ثم تحويل هذا الحل إلى نموذج أعمال قادر على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة وقابلة للنمو والتوسع.
وقال أستاذ ريادة الأعمال في الجامعة الأردنية الدكتور أشرف بني محمد، إن ريادة الأعمال لا تقتصر على تأسيس مشروع أو تسجيل شركة جديدة، وإنما تتمثل في بناء نموذج أعمال قابل للنمو والتوسع وقادر على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
وأوضح أن الانطلاقة الحقيقية لريادة الأعمال تبدأ من فهم عميق لمشكلة حقيقية يواجهها العملاء، أو ما يعرف بـ "ألم العميل"، ثم العمل على تطوير حل عملي ومجد اقتصاديا وقابل للتوسع في أسواق جديدة.
وأضاف إن الابتكار يمكن أن يتمثل في تقديم طريقة مختلفة وأكثر كفاءة لمعالجة مشكلة قائمة، أو إعادة تصميم خدمة موجودة بما يوفر قيمة إضافية للعميل، مشيرا إلى أن قدرة رائد الأعمال على فهم احتياجات السوق تمثل عنصرا أساسيا في بناء نموذج أعمال قابل للحياة.
وأشار بني محمد، إلى أن أهمية الشركات الناشئة تنبع من قدرتها على تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية قابلة للنمو، مؤكدا وجود اختلاف جوهري بينها وبين المشروعات الصغيرة التقليدية؛ فالمشروع التقليدي قد يكون ناجحا ومربحا ضمن نطاق جغرافي وسوق محدد، في حين تبنى الشركة الناشئة منذ مراحلها الأولى على فرضية النمو السريع وقابلية التوسع.
وبين أن ارتفاع مستوى المخاطرة في الشركات الناشئة يقابله في حال نجاح نموذج الأعمال، احتمال تحقيق نمو كبير في قيمة الشركة، ما يفسر اهتمام المستثمرين بهذا النوع من الاستثمارات، لافتا إلى أن أثر الشركات الناشئة لا يتوقف عند العائد الاستثماري، بل يمتد إلى الاقتصاد من خلال خلق وظائف جديدة، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير المنتجات والخدمات، وفتح أسواق جديدة.
وأكد أن التحدي أمام منظومة ريادة الأعمال لا يتمثل في زيادة عدد الشركات المسجلة فحسب، إنما في بناء شركات قادرة على الاستمرار والنمو والمنافسة خارج أسواقها المحلية، معتبرا أن القيمة الفعلية لريادة الأعمال تظهر عندما تتحول الفكرة إلى حل، والحل إلى نموذج أعمال، ثم إلى شركة قابلة للتوسع وخلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
من جهته، قال أستاذ المالية في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد الدويري، إن رائد الأعمال يبدأ بملاحظة مشكلة يواجهها الناس ثم يبحث عن حل يمكن استخدامه ويجد فيه العميل قيمة، سواء كان منتجا جديدا أو خدمة مألوفة تقدم بطريقة أسرع وأسهل.
وأكد أن اختبار الفكرة لبناء مشروع ناجح في السوق هو العامل الحاسم من خلال معرفة من يحتاج إلى الحل، وما إذا كان مستعدا لاستخدامه، وما إذا كان بالإمكان تقديمه بتكلفة تسمح له بالاستمرار وتحقيق عائد اقتصادي.
وأشار الدويري، إلى أن بعض الأفكار البسيطة قد تحقق نجاحا أكبر من أفكار تبدو مبتكرة ومبهرة، إذا كانت الأولى تعالج حاجة واضحة لدى شريحة محددة من العملاء، في حين قد تفشل الثانية في حال لم تقدم حلا لمشكلة حقيقية أو لم تجد طلبا كافيا في السوق.
وأضاف إن ريادة الأعمال تخلق قيمة اقتصادية من خلال توفير الوقت أو المال على العملاء، وفتح أسواق جديدة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات، ومع نمو المشروعات الناجحة تنشأ وظائف جديدة، وتتوسع فرص الموردين والشركاء، وتزداد المنافسة، بما يعزز النشاط الاقتصادي.
وفيما يتعلق بالفروق بين الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، أشار إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تعمل غالبا وفق نموذج واضح وتركز على خدمة سوق محددة وتحقيق دخل مستقر، بينما تبحث الشركة الناشئة عن نموذج أعمال قابل للتكرار والتوسع بسرعة، في ظل مستويات أعلى من التجربة وعدم اليقين.
بدوره، قال أستاذ المالية في جامعة آل البيت الدكتور عمر الغرايبة، إن ريادة الأعمال هي عملية تحويل مشكلة حقيقية أو حاجة غير مشبعة إلى فرصة اقتصادية من خلال ابتكار حل قابل للتطبيق وخلق قيمة للعميل والسوق، مؤكدا أن تأسيس الشركة بحد ذاته لا يمثل المعيار الأساسي للحكم على الطابع الريادي للنشاط.
وأوضح أن الفرق بين رائد الأعمال وصاحب المشروع التقليدي لا يرتبط بحجم النشاط، إنما بطبيعة الفكرة ومستوى الابتكار والاستعداد لتحمل عدم اليقين والقدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى منتج أو خدمة يمكن أن تنمو وتستمر.
وأشار إلى أن رائد الأعمال يبدأ من سؤال "ما المشكلة التي أستطيع حلها؟"، لأن الفكرة لا تتحول إلى مشروع قابل للاستمرار ما لم تستجب لحاجة حقيقية ويكن هناك عميل مستعد لدفع ثمن الحل.
وأضاف إن الانتقال من ملاءمة المشكلة والحل إلى ملاءمة المنتج والسوق يمثل مرحلة مفصلية في رحلة الشركة الناشئة، إذ يتعين إثبات أن الحل ليس مجرد فكرة جذابة، وإنما منتج له طلب حقيقي ونموذج أعمال قادر على الاستمرار وتحقيق الإيرادات.
ويرى الخبراء أن تعزيز أثر ريادة الأعمال اقتصاديا يتطلب الانتقال من التركيز على تأسيس الشركات إلى بناء منظومة قادرة على دعم الشركات في مراحل التحقق والنمو والتوسع وربط الابتكار بالتمويل والأسواق والخبرات، بما يساعد المشروعات الواعدة على تجاوز مرحلة الفكرة والوصول إلى نماذج أعمال مستدامة.
وبذلك، فإن المسار الاقتصادي لريادة الأعمال يبدأ من مشكلة حقيقية، ثم ينتقل إلى حل ذي قيمة، فمنتج أو خدمة يثبت السوق حاجته إليها، وصولا إلى نموذج أعمال قادر على النمو والتوسع، وعندما تنجح هذه الحلقة، تتحول ريادة الأعمال من مجرد نشاط فردي إلى قوة اقتصادية تسهم في الاستثمار والتوظيف والابتكار وفتح الأسواق وتدعم قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة جديدة ومستدامة.
--(بترا) رش/أ م/ أ أ