مختصون: العيدية ظاهرة حضارية ذات أبعاد إنسانية عميقة داخل الأسر
2026/03/21 | 15:48:17
عمان 21 آذار (بترا)- أمين الرواشدة- أجمع مختصون على أن العيدية تتجاوز كونها مبلغاً مالياً لتشكل ظاهرة حضارية ذات أبعاد إنسانية عميقة، فمن المنظور الشرعي تعد تجسيداً لروح التكافل وصلة الرحم، وممارسة تنسجم مع مقاصد الشريعة في إدخال السرور على القلوب، شريطة بقائها ضمن حدود القدرة بعيداً عن التكلف أو المفاخرة.
فيما تمثل من الناحية الاجتماعية شكلاً من التبادل الرمزي الذي يعزز انتماء الطفل لأسرته، مع التحذير من تحولها إلى أداة للمقارنة الطبقية أو ضغط اقتصادي يفقدها معناها القيمي، أما تربوياً، فتُعد العيدية مختبراً حياً لبناء الوعي المالي، إذ تمنح الطفل فرصة للتحول من مستهلك سلبي إلى صانع قرار مسؤول يتدرب على مهارات الادخار والتخطيط، بما يعزز القيم ويصقل الشخصية ويدعم الترابط المجتمعي، وذلك وفق ما أكدوه في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا).
ومن الناحية الشرعية قال القاضي الشرعي الدكتور طارق أبو تايه، إن العيدية تعد واحدة من أجمل العادات الاجتماعية التي تجسد روح التكافل والمحبة، وتجدد معاني الفرح والتراحم بين الناس مع حلول أيام العيد، من خلال تقديم مبالغ مالية بسيطة للأرحام والأطفال في صورة تعكس الاهتمام والود.
وبين أبو تايه، أن العيدية، ورغم كونها ليست التزاماً شرعياً واجباً، إلا أنها من العادات الطيبة التي تنسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية في نشر المودة وإدخال السرور على القلوب، وتندرج ضمن أبواب الإحسان والبر التي تقوي العلاقات الاجتماعية وتصلح النفوس.
واستشهد في هذا السياق بالحديث الشريف: "أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفَعُهُمْ للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ على مسلمٍ"، مشيراً إلى أن هذا النص يبرز عظم الأجر المترتب على كل عمل يدخل الفرح على الآخرين ولو كان يسيراً كالعيدية.
وأوضح أبو تايه، أن قيمة العيدية تكمن في أثرها المعنوي قبل المادي، حيث تزرع في قلوب الصغار ذكريات جميلة وتعزز أواصر القربى والألفة بين أفراد الأسرة، فضلاً عن دورها في ترسيخ قيم الكرم والعطاء، وتطبيق مفهوم صلة الرحم الذي ربطه الإسلام بالبركة في الرزق والعمر.
ودعا إلى مراعاة بعض الضوابط لتبقى هذه العادة في إطارها الإيجابي، ومن أبرزها أن تكون في حدود القدرة دون تكلف أو مغالاة، وأن تُقدم بروح طيبة خالية من المنّ أو التفاخر، مع ضرورة تجنب المقارنات التي قد تسبب حرجاً بين أفراد العائلة.
وأوضح، أن العيدية تظل تقليداً يحمل بعداً شرعياً وإنسانياً عميقاً، فهي ليست مجرد مبلغ مالي، بل رسالة محبة تؤكد أن أبسط الأفعال قد تكون أعظمها أثراً إذا اقترنت بنية صادقة لإسعاد الآخرين.
وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، ذهبت أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتورة ميساء الرواشدة، أن العيدية تحمل أبعاداً رمزية وثقافية عميقة داخل البناء الاجتماعي، باعتبارها أحد أشكال التبادل الرمزي داخل الأسرة التي تعبر عن مشاعر القبول والانتماء.
وقالت الرواشدة، إن هذه الممارسة تسهم في تعزيز الروابط بين الأفراد، لا سيما بين الكبار والأطفال الذين يربطون العيد بمعاني الفرح والاهتمام والتقدير، مشيرة إلى دورها الهام في التنشئة الاجتماعية من خلال تعليم الطفل مفاهيم أولية تتعلق بالقيمة والملكية والتعامل مع المال، وترسيخ قيم العطاء والامتنان.
وبينت، أن هذه العادة شهدت في السنوات الأخيرة تحولات واضحة تأثراً بأنماط الاستهلاك الحديثة، حيث ارتبطت في بعض الحالات بالمقارنة والتفاخر، مما قد يفقدها معناها الرمزي الأصلي ويحولها من وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي إلى مصدر ضغط اجتماعي واقتصادي على بعض الأسر.
ولفتت الرواشدة إلى أن العيدية باتت تعكس الفروق الطبقية بشكل غير مباشر بين الأطفال، مما يستوجب توجيه هذه العادة نحو جوهرها الحقيقي القائم على البعد الإنساني والداعم للترابط والتضامن الاجتماعي، لتبقى رمزاً للمحبة والتكافل بعيداً عن أدوات المقارنة أو الاستعراض.
وحول الشأن التربوي، أشار الخبير التربوي، الدكتور مهند القضاه، إلى أن العيدية تُعد مختبراً تربوياً حياً يُنمي لدى الطفل الاستقلال المالي منذ الطفولة، منوهاً إلى دورها المحوري في تحويل الطفل من متلقٍ سلبي للمصروف إلى صانع قرار مسؤول تربوياً.
وبين القضاه، أن دور الأهل يكمن في تحويل هذا المبلغ من أداة للاستهلاك اللحظي إلى منهج للتخطيط، وذلك من خلال توجيه الطفل لتقسيم عيديته بين ادخارٍ طويل الأمد وشراءٍ مدروس لهدفٍ مسبق.
وشدد على أن هذا النهج يعلم الطفل قيم الصبر، وتقدير قيمة المال، والموازنة بين الرغبات والاحتياجات، مؤكداً أن هذه الممارسات تصقل شخصية الطفل لتصبح أكثر نضجاً وانضباطاً في مواجهة مغريات الحياة.
-(بترا) أ ر/م د/م ق