العمل التطوعي رافد تنموي استراتيجي يصنع الأثر المستدام
2026/09/18 | 15:29:51
عمان 18 أيلول (بترا)- رسمي خزاعلة - يشهد العمل التطوعي في الأردن تحولاً نوعياً ومفصلياً، منتقلاً من الإطار التقليدي والموسمي والفردي ، إلى منظومة مؤسسية احترافية ذات أثر مستدام.
ولم يعد التطوع مجرد نشاط إنساني عابر، بل بات رافداً استراتيجياً أساسياً من روافد التنمية الشاملة، وشريكاً فاعلاً في ترجمة الرؤى الملكية السامية ومسارات التحديث الوطني (الاقتصادي، الإداري، والسياسي)، ليعزز بذلك قيم المواطنة الفاعلة والمسؤولية المجتمعية.
ويؤكد منخرطون في هذا العمل، أنه وعلى مدى السنوات الأخيرة، نجح المجتمع الأردني، بقيادة طاقات شبابه الحية، نحو إعادة هندسة مفهوم التطوع، حيث تضافرت الجهود الرسمية والأهلية لتنظيم هذا القطاع، وبرزت منصات وطنية رقمية رائدة، مثل منصة "نحن"، والتي شكلت مظلة آمنة ومنظمة تربط بين المتطوعين والفرص المتاحة في مختلف محافظات المملكة.
هذه النقلة النوعية لم تسهل فقط عملية توثيق الساعات التطوعية، بل أسهمت في توجيه الطاقات الشبابية نحو قطاعات حيوية تمس احتياجات التنمية الحقيقية، كالتعليم، والصحة، والبيئة، والتمكين الاقتصادي.
وتأكيداً على أهمية هذا العمل ومكانته الاستراتيجية في صنع الأثر المستدام جاءت جائزة الحسين بن عبد الله الثاني للعمل التطوعي والتي تُعد من أبرز المبادرات الوطنية الرائدة التي أُسست لتكريس ثقافة العمل الإنساني والمؤسسي، وتحفيز طاقات الأجيال الناشئة والشباب نحو الانخراط في خدمة المجتمع، من خلال أهدافها الرامية إلى إبراز جهود الأفراد والفرق التطوعية والمؤسسات التي قدمت إسهامات نوعية ومستدامة نحو مواجهة التحديات التنموية والمجتمعية، مما يعكس رؤية واعدة في بناء جيل منتمٍ ومبادر.
وفي هذا السياق، تؤكد التقارير والبيانات الرسمية أن الأردن يمتلك رصيداً بشرياً هائلاً قادراً على صنع الفارق؛ فشباب البوادي والأرياف والمخيمات والمدن لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام التحديات الاقتصادية، بل بادروا إلى تأسيس فرق ومبادرات محلية تنتج حلولاً مبتكرة من صلب البيئة المحلية، بدءاً من صيانة المدارس الحكومية في المناطق النائية، مروراً بحملات الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة، وصولاً إلى تقديم الدعم النفسي والمجتمعي للفئات الهشة.
وقال عميد شؤون الطلبة في الجامعة الهاشمية الدكتور أيمن عليمات، إنه ومع انطلاق الدولة الأردنية في مئويتها الثانية ودخولها عصر التحديث الشامل، باتت مساهمة القطاع التطوعي ضرورة ملحة لا غنى عنها، فعلى الصعيد الاقتصادي، تلعب حاضنات الأعمال والمبادرات التطوعية الشبابية دوراً بارزاً في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال، وتشغيل الذات، ونشر المهارات التقنية والرقمية بين أقرانهم، مما يسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تخفيف نسب البطالة ورفد سوق العمل بكفاءات شابة قادرة على الابتكار.
وأكد، أن التطوع أيضاً يلعب دوراً محورياً في التماسك المجتمعي، إذ يكرس قيم التكافل والعدالة الاجتماعية والعيش المشترك التي طالما تميز بها النسيج الأردني، حيث تبرز أهمية هذا الدور بوضوح خلال الأزمات والمنخفضات الجوية أو الظروف الطارئة، حين تتسابق فرق الاستجابة التطوعية لدعم الكوادر الرسمية (كدفاع مدني وأمانة عمان والبلديات)، مجسدة أعلى معاني الانتماء والوطنية الحقة.
وأضاف العليمات، أن العمل التطوعي في الجامعات يُشكّل بيئة خصبة وحاضنة أساسية لبناء شخصية الطالب وصقل مهاراته العملية والشخصية، حيث يتجاوز دوره حدود الفضاء الأكاديمي البحت، من خلال الانخراط في الأنشطة التطوعية داخل الحرم الجامعي، ويتيح لهم هذا العمل تطبيق معارفهم النظرية على أرض الواقع، واكتساب مهارات حيوية، مثل القيادة، العمل الجماعي، إدارة الوقت، وحل المشكلات، فضلاً عن ذلك، يعزز التطوع الجامعي قيم الانتماء والمسؤولية المجتمعية لدى الشباب، ويهيئهم بشكل مبكر ليكونوا أعضاء فاعلين وقادرين على ترك أثر إيجابي ومستدام في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة.
وتشير طالبة الإعلام في جامعة اليرموك والمتطوعة في عدد من المبادرات، يمامة القاسم، أن الانخراط في العمل التطوعي المنظم يمنح الشباب شعوراً عميقاً بالمسؤولية والثقة بالنفس، وأن التحديات التي يواجهها المتطوع في الميدان تحول طاقاته الكامنة إلى إبداع وعطاء مستدام، 'التطوع ليس مجرد وقت نمنحه للآخرين، بل هو استثمار حقيقي في ذاتك، فهو يعلمك الصبر، ويزرع فيك روح القيادة والعمل الجماعي، ويجعلك تدرك القيمة الحقيقية للمواطنة الفاعلة".
وتؤكد القاسم، أن تجربتها مع العمل التطوعي مثّلت موازنة حقيقية ومثالية بين المسار الأكاديمي وبناء الشخصية، وأن مشاركتها في الفرق التطوعية والمبادرات الطلابية، مكنتها من تطبيق ما تعملته في قاعات المحاضرات على أرض الواقع. " العمل الميداني علّمني مهارات لا تُدرس في الكتب، مثل سرعة اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، والعمل الجماعي بروح الفريق الواحد، ومنحني التطوع شعوراً عميقاً بالانتماء، وجعلني أؤمن بأن دور الطالب الجامعي لا ينتهي بانتهاء محاضره، بل يبدأ حين يمد يد العون لمجتمعه ويسهم في بناء وطنه".
وتقول رئيسة جمعية مطلع الشمس الخيرية في البادية الشمالية إسلام العيسى، إن العمل التطوعي في الأردن ليس مجرد نافذة لفعل الخير، بل هو مرآة لضمير المجتمع الحي وعنوان لصلابته في مواجهة التحديات، وإنه بقدر ما نستثمر في طاقات متطوعينا، بقدر ما نطور من أدواتنا المؤسسية والرقمية، ونضمن بناء مجتمع أكثر منعة وازدهاراً، ليظل الأردن دائماً نموذجاً يحتذى في التكافل، والعطاء، والقدرة المستمرة على التجدد.
وأضافت أن المؤشرات في هذا المجال تؤكد أن المستقبل يحمل فرصاً واعدة، فالبيئة التشريعية والتنظيمية في الأردن أصبحت أكثر مرونة وانفتاحاً على تمكين الشباب والنساء، كما أن الوعي المتنامي لدى الأجيال الجديدة بأهمية العمل الجماعي ينبئ بجيل جديد من القادة المجتمعيين القادرين على استشراف المستقبل وصياغة حلول مستدامة للتحديات التنموية.
وبينت العيسى أنه وعلى الرغم من الزخم الكبير والنجاحات الملموسة التي حققها قطاع العمل التطوعي في الأردن، إلا أن الطريق نحو الاستدامة التامة يواجه بعض التحديات التي تتطلب تضافر الجهود، ولعل أبرز هذه التحديات تتعلق بضمان ديمومة التمويل للمبادرات المحلية الصغرى، وتعزيز ثقافة التطوع التخصصي (كالاستشارات القانونية والطبية والهندسية المجانية)، فضلاً عن توسيع نطاق الشراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني لتبني هذه المبادرات ودعمها لوجستياً ومادياً.
--(بترا) رخ/م ق